أبناء المسؤولين في الجزائر: ثروات شعب جائع تحت أقدام المفسدين!!

يناير 31, 2008

أبناء المسؤولين في الجزائر:

ثروات شعب جائع تحت اقدام المفسدين !!

 

بقلم: أنور مالك – كاتب صحفي مقيم بباريس-

 

 

   
 اقامة نادي الصنوبر

 

الحقيقة ان ما يحدث في الجزائر يثير التقزز  ويجعلنا نتألم كثيرا، ليس لأننا حرمنا من خيرات البلد ونحن قد حرمنا من الوطن كله، وليس أننا نغار مما يجري في حق المال العام من طرف عصابات المفسدين واللصوص، وليس لأننا نريد تصفية حسابات مع أجهزة الحكم في الجزائر كما يخيل للكثيرين ممن حملوا على كاهلهم محاربة أفكارنا ومقالاتنا، ولحساب جهات  تعمل بكل ما في وسعها من أجل ترويض الشعب وأذلاله وإخضاعه لسياسات فاشلة عن طريق التجويع والتفقير والترهيب ومصادرة الحريات، بالرغم من الخيرات التي جاءت بفضل النفط ودرت الملايير على الخزينة، إننا سنحمل في مقالنا هذا الغيض من فيض لصوصية من نوع آخر، يبتعد عن واقع ما يروج له عن طريق هؤلاء المفسدين وحتى عن طريق الأبواق التي تبيع الكذب المعلب وتنال صكوك الغفران والرضا، وهنا يجب ان نقولها صراحة ان المسئولين الجزائريين كلهم بلا إستثناء أقذر وأفسد مما يمكن تخيله، وهم عكس ما يظهرون به عبر نشرات الأخبار وكأنهم حريصين على مستقبل الأمة والأجيال القادمة، فقد عرفتهم عن قرب وهم يعربدون بأقداح النبيذ وفي أحضان العاهرات وعلى حساب الخزينة العمومية، وإن تحدثت اليهم عن الشعب فالكريم فيه يسبه ويصفه بأقذر الوصف وأقبح الصفات، من أنه شعب غبي وجاهل ولا يستحق العيش ولا يمكن التعويل عليه أبدا، بل يجب أن يعاقب على إختياره في إنتخابات 26 ديسمبر 1991 مسارا هددهم وكاد أن يعصف بأحلامهم وكراسيهم ويزج بهم إما في السجون التي ملئت بالأبرياء والعزل أو النفي لمن طاله الحظ…

   يجب أن ننبه إلى شيء مهم جعلنا لم نستثن أي كان منهم، فكل من يركب حمار السلطة يجب ان يورط بطرق مختلفة في ملفات فساد حتى لا يستطيع أن يرفع راسه أبدا، ونعرف جميعا أن ملف الخليفة أو ما يعرف بفضيحة القرن قد تورط فيه النظام كله من جنرالات الجيش ووزراء وحتى من عائلة الرئيس بوتفليقة نفسه، واليوم كل من يتجرأ على الوقوف ضد خيارات السلطة الفعلية والمتمثلة في تلك التي تعيش في ظل من بارونات المال والمؤسسة العسكرية، سيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، فتخيلوا لو بوقرة سلطاني وقف ضد خيار العهدة الثالثة وفضل إتجاه آخر، لو فرضنا ذلك جدلا بالرغم من أنه من سابع المستحيلات، فقد صرح بنفسه أن حركة حمس التي يتزعمها قد قررت أن تكون مع النظام مادام لم يطبع مع إسرائيل، وهو تصريح جعل من الحركة مجرد بوق تافه وكل من ينخرط في هذا البوق إما أنه يبحث عن الريع أو أحمق لا يفهم شيئا أبدا، قلت لو مثلا اعلن موقف مناوئ لخيارات الإئتلاف الرئاسي، فأكيد ستفتح عليه أبواب جهنم وسيجد نفسه ماثلا أمام العدالة بتهم مختلفة أبرزها طبعا قضية أموال صناديق الضمان الإجتماعي التي وضعت في بنك الخليفة وبأمر من سلطاني الذي كان وزيرا للعمل والحماية الإجتماعية في ذلك الوقت، وقد يفتح عليه ملف التعذيب الذي تورط فيه وأدانته اللجنة العربية لحقوق الإنسان، الأمر نفسه بالنسبة لأحمد أويحيى زعيم حزب التجمع الوطني الديمقراطي وهو حزب الإدارة والإنتهازيين، فسوف تفتح عليه قضايا مختلفة بدأ من مجزرة سركاجي وإنتهاء بملف التنازل عن أملاك الدولة التي حظيت فيها زوجته بفيلا فاخرة حولتها لبيتزيريا في قلب العاصمة وبمبالغ رمزية وثمنها الحقيقي بالملايير، أيضا بالنسبة لعبدالعزيز بلخادم وعصابته في قيادة حزب جبهة التحرير الوطني، واغلب أعضاء الأمانة الوطنية متورطين في قضايا الفساد والرشوة وإختلاس المال العام فضلا عن قضايا التزوير وملفات الحركى، أمر آخر لو أن منظمة المجاهدين التي يقودها سعيد عبادو وهو وزير سابق لقدماء المحاربين لو أعلن موقفا ضد رغبة بوتفليقة للخلود في الحكم، سيفتح عليه ملف المجاهدين المزيفين والحركى الذين صاروا يتمتعون بعضوية في منظمته وتدر عليهم الخزينة العمومية بالملايين، وايضا ستفتح عليه ملفات أخرى حول العقارات التي حولها في بسكرة لصالحه وصالح شركاءه… فكل من يقف ضد خيارات العسكر في الجزائر فإما أن تفتح عليه ملفات قضائية ولن نجد أحدا من هؤلاء المسئولين يمكن أن ينال البراءة من تهم الرشوة والفساد وسرقة المال العام، وإن كان حزبا معارضا فالإنتهازيون كثيرون في كل هذه التشكيلات السياسية وسوف يبيعون ذممهم لأجل ما يعرف بالحركات التصحيحية ويجد الزعيم الواقف في حالة بطالة مقننة وبتوقيع من ما يسمى وزارة الداخلية التي يملكها منذ سنوات نورالدين يزيد زرهوني…

موضوعنا اليوم ليس هو الوزراء والمسئولين السامين في النظام الجزائري الفاسد، وهذا الأمر يحتاج إلى مجلدات لا تعد ولا تحص من أجل إحتواء فسادهم وعهرهم ولصوصيتهم، وقد يعتقد البعض اننا مبالغين إن قلنا أنهم مرتشون وفاسدون اخلاقيا وماليا بلا إستثناء، وللأسف تلك هي الحقيقة التي لا يختلف فيها إثنان من أبناء الشعب الجزائري الجائع، والكل يعرف مدى تورطهم في سرقة لقمة الناس، ولن تجد من قد يقول فيهم كلمة طيبة سوى أولئك الذين يبحثون عن مصالح لهم طبعا، وهو ما لن يناله البسطاء أبدا… موضوعنا اليوم حول أبناء هؤلاء وورطاتهم المختلفة في قضايا الفساد والعهر والمخدرات، فأن تعرف حقيقة أي كان يجب عليك أن تعود لأسرته وتربيته لأبنائه، لأن من لا يستطيع أن يصنع اسرة متخلقة وتتمتع بقدر كبير من الوطنية فكيف نريد منه أن يربي الشعب الجزائري ويعيد له هيبته، وشرفه هو في الحضيض ويعفس في زوايا خالية…

ما الذي يحدث في نادي الصنوبر؟

  نادي الصنوبر وموريتي وحيدرة هي أبرز المناطق التي يعيش فيها الوزراء ورجال النظام الجزائري، ونادي الصنوبر هو محمية على الشاطئ لا تبتعد كثيرا عن سيدي فرج أو سطوالي أحد المناطق التي تحولت خلال السنوات القليلة الماضية إلى أحياء راقية يرتادها السياسيون وقيادات الجيش وأعضاء الحكومة وكبار رجال الأعمال ونجوم الإعلام والفن والثقافة… الخ، وتتمتع هذه المنطقة التي وصفت من قبل أنها الولاية التاسعة والأربعين من طرف مختلف الجهات المناوئه لتوجهات السلطة المتعفنة، بالرغم من أن عدد محافظات الجزائر هي 48 ولاية، وقد خصصت للوزراء وموظفين سامين في الرئاسة وقيادات عسكرية وحزبية “أنظر الصورة التي أخذت عبر الأقمار الصناعية”، وتلتهم مصاريف الإقامة الملايير من الخزينة العمومية، فهم لا يدفعون أتاوات الماء ولا الكهرباء ولا الهاتف ولا الكراء ولا التنقل ولا البنزين ولا أي شيء، بل يتمتعون بخدم وحشم مجانا وعلى حساب الخزينة، واكثر من ذلك أن البعض من المستفيدين لا ينزلون بإقاماتهم إلا في العطلة الصيفية للإستجمام بالبحر، الذي حرم منه أبناء الجزائر ويمنعون على العوام أن يدخلوا المنطقة المحرمة، طبعا إلا بتصريح سماح بالضيافة موقع من طرف أحد المقيمين، فمثلا يتم تسجيل المسموح له بالدخول في مركز المراقبة التابع للدرك الوطني من طرف العائلة التي ستستقبل هذا الشخص، أما من لا علاقة له بأي مقيم بالمحمية فيمنع عليه أن يرتادها أو يستمتع بشواطئها التي تعتبر من أفضل شواطئ الجزائر، وللإشارة أن المنطقة هي في الأصل سياحية كانت تدر بالفائدة على البلد ولكن بسبب الحرب الأهلية تم تحويلها إلى محمية خاصة بمن يخشون على حياتهم، وبقي الآخرون في المناطق الشعبية والفقيرة عرضة للموت والذبح والتشريد وذنبهم أنهم صوتوا يوما على الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة… أما في بقية السنة فتجدها خالية والخزينة تسدد فواتير الكهرباء والماء والهاتف والكراء، أو أنها حولت إلى وكر خاص بالدعارة والمخدرات والخمور من طرف أبناء المسئولين وبناتهم، أكثر من ذلك يوجد من يقوم بتأجير الفيلا أو الشالي بمبالغ كبيرة لرجال أعمال حتى يتقربوا من مصادر القرار لأجل الفوز بصفقات كبرى، أو لشباب غني لم يسعفه الحظ أن يمتلك إقامة في “المنطقة الخضراء”، فيخصصها للإنحلال الأخلاقي سواء مع بنات المسئولين في نادي الصنوبر أو لأخريات يأتون بهن من الجامعات وأوكار الفساد المختلفة، أو حتى للتعذيب كما جرى مع شاب تم إختطافه من طرف نجل حميد ملزي مدير الإقامة وقام برفقة عصابته بتعذيبه عذابا كاد أن يذهب بروحه…

  حياة أبناء المسئولين في “المنطقة الخضراء” الجزائرية تجدها تتوزع بين اللعب بالسيارات الفاخرة بمحاذاة قصر الأمم، والمخصص لنزول الطائرات العمودية أو أنك تجدهم أزواجا على الشاطئ  “الذهبي” يمارسون الجنس والقبلات وفي أوضاع مثيرة وساخنة، فبنت الوزير فلان مع إبن الضابط السامي علان، وابن وزير آخر مع بنت زعيم حزب، وأيضا أبناء وبنات الوزراء في ما بينهم، وأكثر أنك تجد حتى المثليين أيضا، فبنت هذا مع بنت ذاك، وذاك مع ابن جاره، والمثير أنك تجد وزير يعيش علاقة غرامية مع زوجة وزير آخر أو مسئول أقل منه شأنا، بل زوجات يجلبن عشاقهن من الخارج إلى إقامة خاصة والزوج المغفل غارق في الحكومة وأحلام البقاء في الكرسي والسفريات المختلفة… حتى لا نكون مجحفين فهناك العلاقات التي كللت بالزواج مثل زواج إبنة وزير البيئة شريف رحماني من نجل الوزير رضا حمياني بعد قصة عشق طويلة، رددتها الألسن في نادي الصنوبر وحتى في إقامة الوردي شعباني بحيدرة.

  نعم واقعهم موزع بين الجنس على الشاطئ المحمي أو المخدرات وعلى مرأى مصالح الأمن من مخابرات ودرك وبصفة علنية، في حين أن محاربة المخدرات تجدها منصبة على الفقراء الذين دفعهم حالهم إلى شرب السموم وإستهلاكها حتى ينسون مآسيهم… نذكر أيضا القمار في الشاليهات هو ما يقوم به أبناء المسئولين الجزائريين في هذه المحمية الأمنية المحرمة على بقية أبناء الشعب وبقوانين وعلى حساب مالهم العام، حتى السرقة والسطو على ممتلكات الغير تنتشر بينهم فقد قام نجل الساسي العموري من قبل وهو وزير الشئون الدينية وأحد الإسلاميين السابقين بالسطو على الشاليهات وسرقة اجهزة التلفزيون وغيرها، والقضية تم طمسها ومن دون أن تثار قضائيا…

الداخل لهذه المحمية يصاب بالغثيان وخاصة لما يتبادر لذهنه حال الفقراء في الأحياء القصديرية، والتي صارت كلية يتخرج منها ما يعرف بـ “الكاميكازات” أو الحراقة، فالفرق شاسع وكبير والدولة تصب خزينتها بل تحلب لصالح هذا الذي يخصص ثروته للفساد والعهر، أما ذاك الذي يبحث عن خبز يابس لصغاره فلا مكان له في جمهورية “العزة والكرامة” التي رفعها بوتفليقة… اليس من العجب أن تجد ابن عضو في الحكومة وهو يمتطي سيارة فخمة ملكا للدولة يقدر ثمنها بالملايين، وتقابله أيضا بنت عضو آخر وفي سيارة أخرى بالحالة نفسها، وتجدهم يلعبون بها كما يتلهى الأطفال باللعب، وبعد اشباع غرورهم، يذهبون إلى إشباع الغرائز بممارسات محرمة… أليس من العار أن يطعم “كانيش” حرم الوزير بطعام مستورد من باريس وعلى حساب الخزينة العمومية، في حين لا يجد أطفال الفقراء ما يسد رمقهم من حليب أو حتى بيض مسلوق، بعدها يظهر هذا الزوج عبر القنوات ووسائل الإعلام يتحدث عن فردوس الجزائر في عهد بوتفليقة وفي عهده أيضا، وفي تلك اللحظة تجد إبنته سافرت بكلبها إلى باريس أو لندن حتى تقوم بالحلاقة له والتي تقدر بحوالي مئة أورو أي ما يعادل مليون دينار ثمن هذه الحلاقة المميزة، بغض النظر على تكاليف السفر والإقامة والمشتريات من أرقى المحلات وافخرها… آخر يأتي ويتبجح بالعدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص وفي تلك اللحظة التي هو على منبره بقاعة خصصت له، تجد أن إبنته الوحيدة قد سافرت مع عشيقها وعلى حساب الخزينة طبعا من أجل أن تقلم أظافرها في باريس، أبعد هذا يمكن أن نصدق هؤلاء؟… أمر آخر أنه عندما يحين موسم ما يعرف بالإنتخابات تجدهم يجتمعون في ما بينهم وكل واحد يحاول أن يتذكر المكان الذي سوف ينزلون له لكسب العودة للحكومة وعلى رؤوسهم تاج الحصانة، فهذا يقول رعاة الريف الفلاني معي، وآخر يقول سوف أذهب إلى المدينة الفلانية فكلهم يتمنون أن يلحسوا أقدامي، هذه الحالة التي غالبا ما تكون على طاولة الخمور بمختلف أنواعها وعلى حساب البقرة الحلوب، ولما يذهبوا وبشعارات مختلفة تدغدغ مشاعر الغلابة وينالوا ما يريدون، يعاودون الإجتماع وتحت أقداح الويسكي يتسامرون بالنكت على هؤلاء “المغفلين” بل أن أحدهم سماهم “الزبالة” وكيف تحمل رائحة جواربهم ودخان الحطب الذي يفوح من ملابسهم طيلة هذه الإنتخابات، وقد يتلقى في تلك الأثناء مكالمة من زوجته التي تطلب منه السفر فورا لأجل شراء عطور جديدة ظهر إشهارها في القنوات الفرنسية وعلى حساب وزارته طبعا… يا للمفارقة العجيبة في زمن العهر السياسي، وأبعد هذا كله يمكن أن نصدقهم وننتخب عليهم ونقبل بقيادتهم الفاسدة لنا… الشعب بالفعل أدرك الحقيقة فصار يقاطع هذه الألاعيب ونتمنى ان لا تنطلي عليه أيضا خدعة العهدة الثالثة المزركشة بأحلام الجنس لطاقم حكم جبل على الفساد والتلاعب بمستقبل الأمة…

إن قضاء أيام في محمية نادي الصنوبر أو موريتي يجعلنا نكتب المجلدات، حول المال العام الذي يهدر بين غرائز بهيمية لشباب مراهق وبين عطش جهنمي لمسئول همه الثراء وإمتلاك المؤسسات التي كانت عامة وتم إفلاسها أو الإعتداء عليها بعمل قيل أن إرهابي، ففيلات فاخرة يقدر ثمنها بالملايير تنازلوا عليها لبعضهم البعض وإقتسموها في ما بينهم، تخيلوا أن ثمن التجهيزات التي فيها تفوق مليار سنتيم في حين أن “التنازل” قدر بعشرين مليون سنتيم وهو ثمن كمبيوتر محمول، والعجب أنها كانت من قبل مخصصة للسياحة وتدر على الخزينة العمومية بالملايير، قد يتساءل أحد في ما تستغل هذه الفيلات التي صارت مملوكة لوزراء وشخصيات النظام بمبلغ لا يغطي تكاليف سهرة خمر واحدة في فندق الشيراطون الذي تم تشييده في منطقتهم خصيصا لشذوذهم؟ الجواب بلا مراوغة أنها لأجل الفسق والعهر والفجور والقمار والمخدرات والليالي الحمراء التي تجمع بين “بابيشات السادة ونونوات القادة” كما كتبت من قبل، ويكفي أن محمد بتشين جنرال المخابرات السابق قد تنازل للمطربة فلة عبابسة على فيلا بتيلملي، أما الأخرى بموريتي فقد كانت مأوى العشيقين في ليالي حمراء تجمعهما وبحضور راضية بن شيخ “التلفزيون الجزائري” أو المطربة حسيبة عمروش، الذين ما تكفيهم الشقة الفاخرة ذات الطابقين في حي صحراوي الراقي ببن عكنون…

 

في قلب الفضائح والفساد

 

   الكل يذكر فضائح توفيق بن جديد وهو الإبن المدلل للرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، وخاصة تلك التي تعرف بقضية رشيد موحوش، وقد تسببت العملية في السطو على الملايير قدرت بثلاثين مليار دولار تم إيداعها في بنوك بالخارج، وبالرغم من أن توفيق من جديد خرج عن صمته بعد 22 سنة من الحادثة، لينفي كل ما عده تلفيقا له وذلك في حوار له مع جريدة الشروق اليومي نشرته في 28/12/2007 وكان من المفروض أن ينشر بيومية “النهار الجديد” التي قامت بالإشهار له ولكنها إعتذرت من بعد وبررت التراجع عن النشر بطلب من الشاذلي بن جديد نفسه… بعدها توالت الفضائح لأبناء المسئولين منها ما تناولتها وسائل الإعلام وما خفي أعظم وأشد وانكى بكثير، فقد عثر على ثغرات مالية يقفون وراءها وتم إحتواءها، وقبض عليهم متلبسين بالمخدرات والهروين وأطلق سراحهم بتدخل وأوامر فوقية، وحملت بناتهم سفاحا وفي علاقات محرمة وتم إجبار الغير على الزواج بهن أو حتى شراء الذمم والشرف بالمال، وكم إغتصب أبناؤهم من بنات الفقراء ولا أحد يقف في وجوههم؟ بل أن نجل خالد نزار تسبب في حمل غير مشروع من بنت فقيرة ولكنها كانت ساحرة في الجمال من نواحي الحراش ولما تنصل من المسئولية دفعتها الفضيحة لوضع حد لحياتها… الخ، وطبعا لو تعلق الأمر بأبناء الفقراء لتم إعدامهم والتنكيل بجثثهم في أماكن عمومية وبلا شفقة ولا رحمة، ولا أحد يأتي بأخبارهم وكل ذلك طبقا للقانون وأوامر النيابة العامة…

من بين ما يمكن ذكره من قصص أبناء المسئولين ولو على سبيل الإشارة والإختصار لأن الأمر يحتاج إلى متسع أكثر مما هو متاح هنا، فقد تناقلت وسائل الإعلام مؤخرا تورط نجل وزير الخارجية مراد مدلسي في قضية والي البليدة الأسبق محمد بوريشة، حيث تحصل على قطعة أرض بالبليدة وخصصها لبناء مصنع لإنتاج أجهزة التبريد (الخبر 20/08/2007)، ليؤكد الأمر الوزير مدلسي الذي رد في الصحيفة نفسها الصادرة بتاريخ 22/08/2007، لكنه إدعى تخليه عنها بعدما نال حق الإنتفاع بها، وفي قلب هذه الإستفادات غير المشروعة نذكر أيضا أن نجل قوعيش قدور وهو مستشار الرئيس مكلف بالزوايا  ومتابع في قضية تتعلق بالفساد المالي، قد تحصل على قطعة أرضية تحمل رقم 79 وذلك بتاريخ 14/08/2002 خصصها لمصنع البلاستيك، وفي عام 2000 تمكن نجل الجنرال المتقاعد مصطفى شلوفي ونجل العقيد عبدالكريم ماضوي من الحصول من الوالي نفسه على قطعة ارض وقدرت المساحة بـ 185 هكتار (40 هكتار ببلدية الشبلي و 145 ببلدية بونيان)، حيث تم إيداع الطلب بوزارة الفلاحة في 10/06/2000 ووافقت الوزارة مباشرة لتمكين من ذكرنا برفقة أبناء الراحل بن شيكو صاحب أغلب أسهم شركة “سيفاكو” التي عاشت فضائح كبيرة، وخصصت القطع الأرضية لانجاز مركز وطني لتربية الخيول والفروسية، بالرغم من أن نجل العقيد قد تحصل أيضا على قطعة أخرى في 14/08/2002 تحت رقم 87 خصصت لإنجاز مصنع لصناعة مشروبات الفواكه، للتذكير أن فضيحة والي البليدة الأسبق تعتبر من أبرز الفضائح المالية والعقارية في الجزائر…

علي كافي وهو رئيس المجلس الأعلى للدولة الذي خلف محمد بوضياف بعد إغتياله في جوان 1992، ويعتبر من أبرز الذين يتحملون مسئولية الحرب الأهلية في الجزائر، نذكر أن اثنين من أبنائه وهما قاسم كافي وحسام كافي إضافة إلى شخصين آخرين قاموا بشراء قطعة أرضية مساحتها 27 هكتار و62 آر من المستثمرة الفلاحية المسماة مزرعة كوشي إيدير بمبلغ 400 مليون سنتيم، إشتروها في 05/04/2003، وتعتبر القطعة في قلب فضيحة التلاعب العقاري في الجزائر العاصمة أو ما يعرف بفضيحة بوشاوي التي تقع بمحاذاة إقامة الدولة نادي الصنوبر وهي من أغلى المناطق، وبعد نشر الفضيحة قام قاسم برفقة شقيقه بنشر بيان فيه توضيحات عن القضية وأكدوا أنهم تمتعوا بحق الإنتفاع الدائم وأن حصتهم تقدر بأربعة أجزاء من بين 11 جزء لمساحة إجمالية تقدر بـ 27 هكتار و62 آر و 50 سنتيار، والقطع تقع بأولاد فايت وليس ببوشاوي، والكل يعلم أن قيمتها تقدر بالملايير وليس بـ 400 مليون، وفي السياق نفسه إعتبر علي كافي أن تفجير القضية مساسا بتاريخه وإضرارا بشخصه، هنا يجب الإشارة إلى أن فضيحة العقار ببوشاوي المتهم الرئيسي فيها هو إبراهيم حجاس وإبنه الشريف وإبنته كهينة التي كانت “عشيقة” نجل الفريق حميد ملزي مدير إقامة الدولة وإمبرطورها حسب مصادر مقربة جدا، والتي قامت بتحويل 90 مليون دينار للخارج وكشفت القضية في فضيحة يونيون بنك، وقد حكم على آل حجاس بعشر سنوات نافذة غيابيا لأنهم فروا للخارج وذلك في 12/09/2007، وطبعا فضائح العقار الفلاحي تعتبر من ابرز ما يجري في الجزائر من فساد بل نذكر مثلا أن عمار سعيداني رئيس البرلمان الأسبق ومن قيادات جبهة التحرير الوطني وبرفقة وزراء آخرين ومسئولين كبار هم في قلب فضيحة العقار الفلاحي بالجلفة، حيث تحصلوا على إمتيازات ضخمة لإستصلاح الأراضي وعلى مساحات كبيرة للإسثمار الفلاحي فيها غير أنهم إستعملوها في “نشاطات أخرى” لا تمت بصلة لعالم الفلاحة، حيث تم سلب ونهب أكثر من 4000 مليار سنتيم، وهو رقم يخصم من الميزانية الضخمة التي وضعت تحت تصرف وزير الفلاحة سعيد بركات (المحقق: 29/09 الى 05/10/2007)، ونذكر أيضا ابن الوالي السابق لولاية بسكرة تحصل على قطعة أرض في زريبة الوادي وهو ميت عام 2003 قدرها 14 هكتارا (الشروق اليومي: 06/10/2007)… على ذكر وزير الفلاحة السعيد بركات وهو أحد رجال الرئيس بوتفليقة، فقد إنكشف أمر فضيحة تورط فيه إبنه الذي توسط لأحد المقاولين في إستغلال الأراضي الجنوبية للجزائر وزرعها بالبطاطا التي عاش الجزائريون أزمة تاريخية معها، دفعت “جهات” تستثمر في بطون الفقراء إلى إستيراد بطاطا مخصصة لإطعام الخنازير من كندا، ولقد إستفاد من رشوة مقابل وساطته وتمثلت في سيارة من نوع توارق 4*4، وقدمت هذه “الهدية” بغض النظر عن الأموال من طرف المدير العام للإمتياز الفلاحي المتواجد رهن الحبس، هذا الأخير تورط في فضيحة كبرى وإختفاء كميات كبيرة من القمح، ولمن لا يعرف أن المدير العام للإمتياز الفلاحي يملك محلات خاصة بالإكسسوارات بباريس، نشر الفضيحة دفعت الوزير لإرسال بيان شتم وسب لصحيفة النهار  ومن دون أن يرد على الفضيحة بالتفنيد، سوى بكلام جاهز دأب عليه النظام في زمن الثورة الزراعية، أكثر من ذلك قرر رفع دعوى قضائية ضدها وضد 33 إطارا من وزارته كشفوا هذه الفضيحة…

 نذكر أيضا في “قضية الخليفة” أن محامي المجمع المنهار عبدالغني بوتفليقة “شقيق الرئيس” وسفير الجزائر بإيطاليا رشيد معريف إستفادا من مبالغ ضخمة تمكنا من شراء عقارات تمثلت في شقة فاخرة بشارع الجيش الكبير بالقرب من حدائق الإيليزيه بباريس بالنسبة للسفير، أما شقيق الرئيس فأشترى بيتا في الضواحي الباريسية، ونجد في خضم ما إنكشف هنا من طرف مصادر مطلعة أن إبنة العربي بلخير تحصلت على اموال إستغلتها في مشاريع تجارية، ولم يقتصر الأمر على عبدالغني بوتفليقة بل حتى شقيق الرئيس الآخر ومستشاره والرجل القوي في قصر المرادية السعيد بوتفليقة إستفاد من بطاقة سحب مالية مفتوحة منحها له عبدالمومن خليفة  عام 2002 في دبي (الخبر: 16/09/2007).

 الجنرال خالد نزار الذي تفيد بعض المصادر العائلية تورطه في قتل زوجته، فضلا من إعتداءه على ضابط شكته إبنته كان يعمل في إقامة الدولة، والكل يعرف هذا الجنرال الذي يقف وراء الحرب الأهلية الجزائرية، التي كلفت أكثر من 200 ألف ضحية حسب مصادر رسمية والحصيلة الحقيقية أكثر من ذلك بكثير، فضلا من أن الحرب كلفت خزينة الدولة 60 مليار دولار حسب التقرير الدولي الصادر في 24/11/2007 الذي أعدته مجموعة خبراء تنتمي لثلاث منظمات تنشر دوريا بحوثا حول انتشار وإستعمال الأسلحة الخفيفة في العالم وهي سايف ورلد وأوسفام… الفضائح التي تتردد حول أبناء الجنرال وبناته لا تحصى ولا تعد، ونكتفي بالقضية التي عاشتها أروقة محكمة الشراقة “العاصمة” مؤخرا والمتعلقة بسفيان نزار ولطفي نزار وبرفقة آخرين، توبعوا في قضية رفعتها ضدهم المصالح الفلاحية، وبتهمة التعدي على الملكية العقارية والبناء بدون رخصة والحفر العشوائي لبئر بدون رخصة بمنطقة بوشاوي قلب الفضائح العقارية في الجزائر، حيث أنه بناء على تعليمات أصدرها الرئيس بوتفليقة لفتح تحقيق قضائي في المضاربة غير المشروعة بالأراضي الفلاحية التي تورط فيها شخصيات نافذة، تبين بناء على ذلك ان لطفي وشقيقة قاما بشراء 20 هكتارا من مستثمرة فلاحية جماعية بطرق مخالفة للقانون، وقد حكم بستة أشهر حبسا مع وقف التنفيذ و 100 الف دينار غرامة نافذة وذلك في 29/12/2007، وبالرغم من ثبات أدلة الإدانة إلا أن أطراف منها المحامي خالد بورايو الذي رافع لصالح عائلة الجنرال قد إعتبر القضية مفبركة وتستهدف رأس خالد نزار، هذا الأخير الذي وصف من يقف وراء الدعوى بأوساط ماكرة وانتقد الحكم القضائي، مع العلم أن القضية حركها الرئيس بوتفليقة نفسه، ولا نتيجة تذكر لحد الساعة سوى بعض الرتوشات التي جاءت لزركشة الموقف ليس الا… أيضا نستطيع تسجيل إنتفاء وجه الدعوى لإبن السفير الجزائري بفرنسا ميسوم صبيح بالرغم من ضلوعه في فضيحة تبديد 3200 مليار، كذلك حجز 12 كلغ من الذهب المهرب بحوزة ابن سفير جزائري سابق في احد الدول الخليجية وقد كان قادما من دبي عن طريق مرسيليا…

   وزير التضامن جمال ولد عباس أيضا لم يسلم فإبنته ريم إيرينا تحصلت على راتب من دون أن تكون موظفة، وذلك من وكالة التنمية الاجتماعية ببئر خادم، حيث أن مديرها بن سنان جمال الدين منح أجرة 12 شهر بقيمة 241117دج ومن خلال شيك يحمل رقم 5942511 وقد استلمته بتاريخ 07/07/2007، وبرر ذلك حسب وثيقة مؤرخة  في 07/08/2007 من أن المبلغ يمثل تسوية لمؤخرات أجر سنة لإبنة وزيره خاصة بالفترة الممتدة ما بين 01/08/2006 إلى غاية 31/07/2007، وقد أفاد الوزير في رده على الفضيحة من أن إبنته موظفة لدى وزارة التضامن – التي هو وزيرها منذ سنوات-  كسكرتيرة، وقد ألحقت بالوكالة منذ سنة على غرار عمليات التوظيف المتعارف بها  حسب زعمه، بالرغم من أنه يستحيل أن يتحصل على المنصب الآخرون من أبناء الشعب، وأكثر من ذلك أن إبنته الأخرى متزوجة بتمنراست وموظفة بأحد المراكز التابعة للوزارة التي يتقلد حقيبتها…  

  أسامة نجل الوزير بوقرة سلطاني زعيم الحزب المحسوب على الإخوان حركة مجتمع السلم “حمس”، عرف بإدمانه على المخدرات فقد قبض عليه مرات متعددة متلبس بحيازة القنب الهندي، سواء بإقامة الدولة أو حتى في مسقط رأسه بالشريعة ولاية تبسة، آخرها حسب مصادر خاصة جدا فقد قبض عليه برفقة نجل سفير جزائري وبحوزتهم حوالي 700 غرام من الهروين وتم ستر القضية ومن دون تقديمهم للعدالة، هذا بعد تدخل وزير الدولة بوقرة سلطاني طبعا، وطالما عاد في أواخر الليل مخمورا وبرفقة عشيقاته ليقضي الليالي في شالي “34 A كان يقيم به إبن أخ العقيد خمان الحفناوي المدعو عبدالقادر قائد وحدة للتدخل تابعة للمخابرات، ويروي لي شاهد عيان أنه إغتصب فتاة وفض بكارتها وهددها بأشياء ضد أسرتها وكانت الفتاة اسمها “هدى” تتحدر من عين البنيان دفعتها الفضيحة إلى الهروب من البيت وصارت تبيع الهوى بين كباريهات العاصمة الآن، أما إبنته الوحيدة فهي تدخن وتعيش قصص الهوى المختلفة مع نجل الوزير عبدالمالك سلال، وطالما تبادلا لواعج الحب على الشاطئ أو في شالي يتردد عليه نجل الوزير برفقة شلته من المدمنين على المخدرات والمتاجرة في الهروين… حتى أبناء الفنانين والمطربين لهم باعهم في هذا الميدان فيكفي منير أيت منقلات وهو نجل المطرب القبائلي المعروف أيت منقلات، والمتابع في قضية قتل العجوز ماريا دوجوزو لوباز في أوبير فيل بالضاحية الباريسية في 15/01/2004 وعثر عليها مخنوقة وعلى جسدها إشارات دينية مسيحية… الفضائح كثيرة ومختلفة يتورط فيها أبناء المسئولين الجزائريين وعلى حساب الخزينة العمومية دوما، هذا فضلا من الوظائف التي يتحصلون عليها وهم ليسوا أهلا لها، فماليزا وسام بن فليس بنت رئيس الحكومة الأسبق علي بن فليس تم توظيفها في التلفزيون وصارت تقدم تعاليقا في نشرة السابعة باللغة الفرنسية وهي لا تزال طالبة في عامها الثاني بمعهد الصحافة والإعلام ببن عكنون، ولكنها تركت العمل في ما بعد وهاجرت مع زوجها للخارج، وأمال بنت شقيق الوزير عمار صخري تم توظيفها بالإذاعة وهي في عامها الأول كطالبة بالمعهد واليوم هي صحفية بالتلفزيون برفقة بنت عمها الآخر مريم، ونجل الوزير السابق المغتال محمد حردي صار مستشارا برئاسة الجمهورية بعد حادثة الإغتيال الغامضة، وجرى معه كما حدث مع نجل الرئيس محمد بوضياف الذي عين واليا في ادرار بعد تصفية والده في مشهد درامي على المباشر… أبناء الجنرالات أيضا يتكونون في شرشال في إختصاص القوات البرية ولكن بعد تخرجهم يلتحقون بمناصب حساسة سواء بالمخابرات او النواحي العسكرية أو الدرك الوطني أو حتى وزارة الدفاع، فمراد العماري نجل الفريق العماري قائد الأركان الأسبق تخرج من الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال متخصصا في الدبابات عام 1989 وهو اليوم برتبة تفوق على دفعته ويترأس مصلحة مهمة في قيادة القوات البرية، وعبدالمجيد عظيمي الذي يحمل رتبة رائد وكان الذراع الأيمن للعقيد طاهري الزبير المعروف بحاج الزبير في ثكنة بن عكنون التي تسيطر على وسائل الإعلام، هو نجل العميد في الرئاسة أحمد عظيمي الذي أحيل على التقاعد ويعمل الآن أستاذا في معهد العلوم السياسية… والأمثلة كثيرة، فضلا عن أولئك الذين يملكون الشركات مثل ابناء الجنرال الراحل اسماعيل العماري الذين يسيطرون على مؤسسة للدواء… نذكر أيضا من يقيمون في الخارج ولهم نشاطات مشبوهة مع جهات أجنبية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر كهينة جيار بنت وزير الشباب والرياضة الهاشمي جيار، التي راحت تمجد الإستعمار الفرنسي في محاضرة ألقتها بلندن، وأبوها في الداخل يتغنى بالثورة ويمجدها في خرجات إعلامية متلفزة…

  أمر آخر يجب أن لا نغفله في هذا المقال أن أبناءهم يدرسون في الخارج ويتحصلون على المنح بكل سهولة ووفق قانون شرعوه يعطي هذا الحق للمسئولين السامين، حتى ولو كانوا غير متفوقين في دراستهم، وأما أبناء الشعب الذين يتحصلون على نتائج قياسية فحظهم في هذه المنح مستبعد، نذكر أمثلة على ذلك الذين يدرسون بعاصمة الضباب لندن فقط بغض النظر عن الآخرين بالعواصم العالمية الأخرى، إبن احمد أويحيى رئيس الحكومة الأسبق، إبنة الجنرال شنجريحة أبرز القيادات العسكرية الآن، ابن الجنرال أحمد بوسطيلة قائد الدرك الوطني، نادية بنت وزير التربية أبوبكر بن بوزيد، إبنة وزير التعليم العالي الأسبق عمار صخري، ابنة زغاب سكرتير الرئيس بوتفليقة، إبن وزير التعليم العالي رشيد حراوبية، ابنة رئيس الحكومة عبدالعزيز بلخادم وهي متزوجة من مغربي، ابنة بربارة المستشار برئاسة الجمهورية، الإبن الوحيد  لوزير السياحة لخضر ضرباني، ابنة الوزير عبدالمالك سلال، ابنة العقيد في المخابرات جابر، وابنة سراي القنصل الجزائري في تونس – وطبعا الدور البارز لربيعة سراي السيدة القوية في وزارة التعليم العالي – وابنة بن منصور الوالي المنتدب للشراقة… الخ،  وقد بلغ عدد الطلبة الذين يدرسون في بريطانيا حوالي 500 طالب كلهم من أبناء الشخصيات البارزة، وطبعا مصاريفهم على حساب الدولة في منح رسمية وأخرى تحت الطاولة… طبعا لا يقتصر الأمر على من ذكرنا فالكل يعرف ما يفعله أبناء الولاة والنواب البرلمانيين ورجال المال وبارونات المقاولات، حتى كأن ديدن هؤلاء هو الفساد والتلاعب بالمال العام والسطو على أعراض الضعفاء…

مقارنات لا مكان لها

  يدفعنا المقام ان نقيم مقارنة بين ابناء الفقراء الذين يفجرون أنفسهم أو ينتحرون في الحرقة، وبين أبناء هؤلاء المسئولين الذي يفطرون بحليب من باريس وغداؤهم من لندن وعشاؤهم أكيد لا يبتعد عن جنيف، لو كان الأمر يحدث من مالهم الخاص فلن يكون لنا الحق في التدخل، لكن لما يتعلق الأمر بمال الشعب الجائع العاري الفقير فذلك يدفعنا إلى فضحهم وعدم السكوت، وخاصة أن البنوك السويسرية تعج بأرصدة ضخمة بأسماء زوجاتهم أو بناتهم أو أبنائهم أو حتى عشيقاتهم، والأموال مهربة من مداخيل النفط والبترول والصفقات المشبوهة المزيفة التي تعقد وتذهب أدراج الرياح…

 ان الذين فجروا أنفسهم كلهم من عائلات فقيرة جدا تابعوا إن شئتم التقارير الصحفية التي تقوم بها الجرائد بعد كل تفجير وفي زيارات لأسر المنتحرين، فحيث أن الوصول الى منازلهم غالبا يأتي بعد المغامرة بين الأحراش والصخور والغابات والأودية وفي أماكن محرومة من أدنى أسباب الحياة والبقاء، فهذا والده يشتغل حطابا مثل الذي قام بتفجير الناصرية، وآخر يربي نعاجا لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، ينتظر ولادتها من سنة لأخرى حتى يبيع خرفانها ويقضي السنة على حساب ما كسب، وتخيلوا مصاريف الشهر لا تتجاوز 2000 دينار في حين مصاريف هاتف محمول لبنت سليمان الشيخ “نجل الشاعر مفدي زكرياء” يصل إلى 3 ملايين شهريا، أو مصاريف لعلب مارلبورو الأسبوعية لزوجة أحمد أويحيى يعادل مصاريف السنة لأجل الخبز بالنسبة لعائلة من الكاليتوس أو الحراش، أو ما يضيعه أسامة أو عقبة سلطاني أبناء وزير الدولة بوقرة سلطاني على السهرات الماجنة في الكباريهات لليلة واحدة في سيدي فرج يغطي مصاريف عائلة لمدة سنة في أرياف ثليجان أو مشنتل بالشريعة ولاية تبسة… إن الحل الحقيقي لأسباب العنف الذي يضرب العالم العربي ليس حلا أمنيا عن طريق مراقبة أنفاس الناس ومحاصرتهم، وليس عن طريق القضاء على كل المسلحين، وليس عن طريق سد بؤر الإرهاب كما يزعم، الحل الحقيقي يكمن في إرساء دعائم العدل بين الناس، وإعطاء الفرص المتساوية للجميع بلا استثناء، فليس لإبن الوزير أو الجنرال أو الرئيس الفردوس ولإبن الغفير والفقير والرعاة الجحيم، وهنا أذكر حادثة عشتها بنفسي خلال نهاية التسعينيات في الجزائر، حيث أنه في حاجز امني تابع للشرطة في نواحي باش جراح “العاصمة” يتمركز بصفة دائمة في طريق نفق واد أوشايح، رأيت شرطيا أوقف دراجة من نوع فخم على متنها شاب في العشرينيات من عمره وترافقه فتاة أيضا في السن نفسه، وكانا لا يرتديان خوذة القيادة، فأوقفهما الشرطي في إطار عمله ولما هم للتحدث  صفعه الشاب صفعة أطارت القبعة من رأسه، وراح يصرخ والفتاة تتحدث بالهاتف النقال، تدخل رئيس الحاجز ليهدئ الأمر وبعد حوالي ربع ساعة ونحن طبعا ممنوعون من السير، حضرت ثلاث سيارات لها ترقيم لرئاسة الجمهورية، حيث قاموا بتسريح الشاب ورفيقته وأخذوا معهم الشرطي الذي كان أنفه ينزف دما، بعد أيام ومن شدة فضولي عرفت نتائج الأمر وعن طريق مفتش شرطة يعمل في الوحدة نفسها، الذي أخبرني أن الشرطي طرد من العمل بصفة نهائية، والفتاة لم تكن سوى بنت العربي بلخير الذي كان مستشارا للرئيس ورفيقها هو نجل الجنرال محمد تواتي، الذي صار على أبواب مشروع ضخم وباسم احد أبنائه بعد حصوله على قروض لإقتناء ثلاث بواخر صيد بالملايير، هكذا دفع الشرطي المسكين ثمن أداء ما يسمى بالواجب وبقرارات فوقية ثمن شذوذ مراهق وعهر أخرى…

هذا غيض من فيض ما يحدث وقد أعطينا أمثلة فقط، ولا يعني أن ما أوردناه هو الأهم فتوجد أشياء كثيرة لم نذكرها بينها تلك التي نعرف وأخرى لم نصل إليها، وهو الدليل القاطع على الفساد الذي يتوارثونه من جيل لآخر، فالجنرال لا يغادر وزارة الدفاع إلا ويترك ابنه في رتبة ترشحه لأن يكون خليفته، والمستشار في الرئاسة يفعل الأمر نفسه، وبالنسبة للقضاء أيضا فأغلب القضاة والنواب العامون والمستشارين في المحكمة العليا أبناؤهم في مراتب هامة بوزارة العدل أو بالقطاع القضائي… أبعد كل هذا نستطيع أن نتفاءل بمستقبل زاهر لأبناء الجزائر في ظل شباب يقبل على الموت سواء بسيارات مفخخة أو بقوارب موت، إنها بحق مفارقة عجيبة في جزائر العزة والكرامة التي شيدها بوتفليقة وعصابته والآن يتبجحون بالتجديد له والقفز نحو عهد مستمر من الفساد والإذلال المتعمد لشعب دأب على الكبرياء عجز الحلف الأطلسي أن يحط من عزته ولما فشل ترك الرسالة لغيره ووفقوا بدرجة الإمتياز.

عجائب المصالحة الجزائرية: تفجيرات ومساجين صاروا نجوم “القاعدة” الجدد

يناير 28, 2008

تعيش الجزائر اليوم على وقع وتر واحد يعزف لعهدة ثالثة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، فقد هب الإنتهازيون وما أكثرهم إلى تعبيد الطريق وبشعارات في ظاهرها الخير وفي باطنها الطمع والمكر نحو عهدة ستمر حتما على تعديل دستوري، فإن كان دستور الرئيس الأسبق اليمين زروال قد حد من أطماع أي داخل بعده لقصر المرادية، ربما انطلق من طبيعته الشخصية التي لا تميل لحب السلطة كثيرا، حتى صار صاحب أشهر ثلاث إستقالات في تاريخه، استقال من الجيش برتبة جنرال وهو لم يفعلها سواه في تاريخ النظام الحاكم والمؤسسة العسكرية، وإستقال وهو سفير وهو الذي لم يحدث سوى تحت ضغط وإجبار على ذلك، أيضا إستقال وهو رئيسا للجمهورية وبسبب ملف أمني، يقوده جنرالات الجيش حينها… فتغيير الدستور لم يحدث في موسكو بالرغم من شعبية بوتين وكان بإمكانه أن يفعل لأجل البقاء في الكرسي، ولم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة حتى يمدد من عمر سيد البيت الأبيض، ولم يحدث في أي أمة تحترم نفسها وقيمها الحضارية، لكن ذلك يحدث في البلدان العربية التي يريد حكامها من جعل أنفسهم أفضل من أنجبت البلاد واطهر من يقودها، بالرغم من الفساد والعهر السياسي الذي تتخبط فيه جل الأنظمة العربية بلا إستثناء، بل أكثر أن بعضهم غير دولته إلى مملكة حتى يضمن لنفسه ولأسرته البقاء فوق رأس شعبه…

نقيق مصالحة في مزاد المستنقعات


نعود للجزائر والتي صار اليوم دستورها يشبه لحد بعيد كراس المحاولات الذي يلجأ إلى تبديله أو رميه في سلة المهملات كلما رأى الضرورة لذلك، فكأن هذه البلد لم تنجب رجلا واحدا غير بوتفليقة ليقودها، وهو الكلام نفسه الذي قيل لليمين زروال لما بقي الشد والمد حول ترشحه في أولى إنتخابات رئاسية “تعددية” في 16 نوفمبر 1995، حتى خيل لنا حينها أن الحياة ستتوقف في الجزائر لو رفض زروال الترشح أو غيب من المشهد السياسي، كان من المفروض أن الأمة ستخضع للدستور وليس الدستور من يخضع لكل رئيس يصنعه على مقاس جواربه، فعيب كل العيب أن عمر “إستقلال” البلاد أكثر من 40 سنة ولم تصل بعد لدستور موحد يحمل الناس على التقيد بقيمه وإحترام مواده، أعرف أن كل الدساتير التي صنعت بالجزائر كانت تقاس على إبط الحاكم مرة وأخرى على أجزاء أخرى من جسمه، ولا أحد يفكر في صناعة دستور يكون بقيمة دولة تؤسس لإنسان يسير وفق قيم حضارية وتقدمية، لكن “المشرعون” –إن سلمنا لهم بهذا الإسم جدلا- يفكرون وهم على طاولة الإبداع وفق قصاصات ومراسلات جاءت من القاضي الأول في البلاد، وطبعا لا يفكر إلا في مصالحه وكرسيه الذي يريد أن يغادره إلا نحو القبر وبأمر من ربه وليس من شعبه، الذي لا يساوي عنده نشاف قصره العاجي أو منشفة تستعملها أحد عشيقاته بفيلا فاخرة بموريتي…


ليس موضوعنا قصة الدستور الجزائري وليس موضوعنا العهدة الثالثة لبوتفليقة التي لا خيار سواها للسلطة الموازية في الجزائر، والتي وجدت ضالتها في هذا الرجل، لكن حديثنا عن جزء مهم في ملف ما يسمى بالمصالحة الوطنية في الجزائر، والمتعلق بالمساجين المفرج عنهم في إطار عفو شرعته القوانين التطبيقية لميثاق السلم الذي صادق عليه الشعب الجزائري في إستفتاء 29 سبتمبر 2005، وإن كانت لنا مؤاخذات مختلفة ومهمة عن ذلك الإستفتاء وحتى عن صيغة السؤال التي جاءت من أجل “المصالحة الوطنية” في الجزائر، بعدما رسمت الجنة والأمن والثراء من مجرد وضع ورقة نعم في الصندوق، لذلك أن الشعب وافق على مبدأ المصالحة وليس على إجراءات تطبيقية ظهرت بعيدة كل البعد عن حقيقة ما أستفتي عنه الشعب، وهو ما يمكن وصفه بالنصب على الأمة في إطار قانوني لا غبار عليه، فلماذا لم تصدر القوانين وهي حتى تتم المصادقة عليها وليس ميثاقا يحمل الصيغ العمومية ولغة غير واضحة تحمل على أوجه متعددة، تعطي النفس للمشرعين في ما بعد لصناعة ما يخدمهم من قوانين تطبيقية؟ هذا فضلا من أن السلطة نفسها دعت الشعب الذي يوجد أكثر من 35 بالمئة أميين منهم، إلى قراءة ما بين السطور وإستنتاج النافع منه، وأما من قرأه وإستنتج ما يتنافى وتيار السلطة فهو أمي وجاهل وأعمى لا يدرك الحقيقة التي تشبه الشمس في رابعة النهار، فتأييد الرئيس لمسعى المصالحة الوطنية لا يختلف فيه إثنان، والمصالحة الوطنية المقصودة هي تلك التي توقف إراقة الدماء وتعيد الأمن للمواطنين، وتساوي بين كل الناس في الحقوق والواجبات والفرص، وتعطي المواطنة مفهومها الصحيح البعيد عن المزايدات الإيديولوجية والحزبية الضيقة النطاق، ثم تضع كل واحد من أطراف الأزمة والحرب الأهلية في مكانه الحقيقي، فلا يحمل علي بن حاج الذنب ويترك خالد نزار يصول ويجول، وأكثر من ذلك تعطي للمفقودين كل الخفايا عن الإختفاءات القصرية لذويهم من دون لف ولا دوران، وتضع دم كل قتيل في عنق قاتله بلا خلفية ولا تزوير، بل أكثر من ذلك أن يفتح ملف الحرب الأهلية بتداعياتها ومسبباتها ومخلفاتها على طاولة الحوار الناضج، ويتحمل كل طرف مسئوليته بلا تردد، فالخفايا توجد ملفاتها سواء بين يدي الأجهزة الأمنية والإستخباراتية أو الجماعات المسلحة بمختلف مكوناتها ومشاربها، بعد كل ذلك نعلن طي الصفحة برد المظالم لأهلها سواء بالتعويض المادي أو المعنوي، أو بالقرار السياسي المسئول… أما أن تأتي المصالحة من طرف واحد وتحاك في الخفاء بين أشباح كانت بالأمس ولا تزال هي المتهم الرئيسي في إشعال الحرب وإستباحة دماء الجزائريين بسبب إختيار إنتخابي، ظهر فيه الشعب كأنه أحمق وغبي في مسعاه ذلك وفاقد للأهلية تفرض الوصاية عليه ومن طرف الذين لا وصاية لهم على أعراضهم ونسائهم وبناتهم… لكن لما وافق هذا الشعب المسكين الجريح على لعبة إستخباراتية سميت تجاوزا “مصالحة” صار الشعب الرشيد والأبي ويستحق التقدير والتبجيل في الخطب العصماء، وليس في ثروة الأمة المستباحة من طرف مفسدين ولصوص…


الإخفاق الذي رافق الميثاق من بدايته يجعلنا نؤكد على الفشل الذريع الذي مني به، فقد كان بوتفليقة عرابا في البداية للعفو الشامل ولكن السلطة الموازية والخفية المتمثلة في الجنرالات وشركائهم من أرباب المال والأعمال، التي إختار لها الرئيس لفظ التوازنات ومن دون أن يوضح اطراف اللعبة التي دفعته إلى أن يوازن بينها في ميثاق لم تقطف ثماره سوى عصابة السلطة التي لا تزال وستبقى المسئول الأول عن دماء الجزائريين، ثم بعد حملة واسعة النطاق أنفقت فيها الوعود ذات اليمين وذات الشمال، ورسمت الجزائر ما بعد 29 سبتمبر بتلك الجنة التي لن تصل لها أعظم الدول، وهب الرئيس نفسه يوعد بأنه سيتخذ إجراءات أخرى خولها له الميثاق في مواده إن كانت المشاركة قياسية، وحصل ما حصل لأن الشعب قرأ بين السطور ما علق في لافتات عبر مختلف ولايات الوطن، وما راح به العرابون يجيدون به في خطب عصماء، وكنت حينها أرى ان الفشل سيكون حتما مصير هذا الميثاق مادام يسبح له الإستئصاليون من أمثال رجل المهام القذرة أحمد أويحيى كما يحلو له تسمية نفسه، والذي ظل وهو رئيسا للحكومة يردد من أن الإرهاب قد إنتهى ومن تحت قبة البرلمان، وأيضا ذلك الإمام العاهر الفاسد بوقرة سلطاني الذي تحول من مجند للأفغان لأجل الشهادة إلى مفسد لا فساد بعده… وليس المجال طبعا للخوض في حنايا تلك الحملة الإنتخابية وفي وعود عبدالعزيز بلخادم وموسى تواتي وخالد بونجمة والطيب الهواري وغيرهم ممن لا هم لهم سوى إرضاء السلطة ونيل الصكوك التي تحمي وجودهم في المنطقة الخضراء “نادي الصنوبر”… بعد الإستفتاء والندوات الصحفية المهللة بصلوات الشكر للشعب الخدوم الذي وافق بإجماع مطلق على مسار المصالحة، عاد الراقصون على جراح شعبنا لبيوتهم ينعمون بما حصدوه في حملة إسترضائهم لبوتفليقة، وبقي الشعب والمساجين وكل أطراف الحرب الأهلية التي ابدعوا في تسمية جديدة لها وهي “المأساة الوطنية”، وصار المسلحون والقتلى والمفقودون ضحايا هذه المأساة التي طويت في 29 سبتمبر، ينتظرون الوعود المزركشة التي فتحت باب الريان لشعب صام الدهر من الجوع والفقر… من ذلك الحين ولا أحد يعرف شيء عن موعد التطبيق فكل ما يظهر سوى ألفاظ مختلفة وهي “قريبا”، “مستقبلا”، “القوانين التطبيقية قادمة لا محالة”… ثم تطور إلى “لا تراجع في المصالحة”، لكن مع “المرض” المفاجئ لبوتفليقة في ديسمبر 2005، وفي ظل تعتيم إعلامي تمارسه السلطة عاش ملف الميثاق أحرج مراحله، وصار الترويج لمسألة التراجع الذي أجبر عليه بوتفليقة من طرف جهة ما، وإن كنت حينها أرى انه لا يمكن ان يتراجع الجنرالات عن ميثاق يحميهم ويرد الإعتبار لهم ويحصن مسيرتهم الجديدة، ويحميهم من منظمات دولية تملك ملفات إدانة لهم في جرئام ضد الإنسانية، ليعود العرابون… الإنتهازيون… الفاسدون… من جديد للواجهة للتأكيد أن المصالحة لا تراجع فيها، وأنها الخيار اليتيم الذي لا يمكن للدولة التي تتطلع للخير أن تتجاوزه، وأكثر أنها خيار الشعب وليس من الديمقراطية أن يتصدى أي كان لهذا الخيار، والنظام ممن يتفانى في الحرص على قرار الشعب السيد !!!


بعد تلك المرحلة الحرجة وعودة بوتفليقة للجزائر قادما لها من مستشفى فال دوغراس العسكري بباريس وتحت مسيرات “شعبية عفوية” يقودها الوزراء والعسكر للترحيب بـ “رجل المصالحة”، ورددت الشعارات التي أعطت تفعيلا وتهويلا للميثاق الذي كاد أن تغرب شمسه في دهاليز النسيان، ليتمخض الجمل ويلد فأرا معتوها… ظهرت أخيرا القوانين التطبيقية وتمت فبركتها على مقاس خاص ووفق الرؤية التي كانت تحكم تخيلات أقطاب المبادرة بمختلف توجهاتهم داخل هرم النظام، وممن يمكن أن نسميهم “الجيل الجديد للحرب الأهلية”… ومن ابرز ما تم التركيز عليه هو بداية الإفراج عن المساجين وذلك مساء يوم السبت 04 مارس 2006 وهبت العوائل من كل حدب وصوب قبالة السجون لإنتظار ذويهم، الذين أكد المحامون لهم بأنهم ممن يشملهم العفو بلا نقاش ولا جدال، وظهرت الكثير من الأمور والتلاعبات في قضاياهم وصار يتعامل معها وفق تقارير أمنية تعد من داخل السجون، وهذا الذي تحدثنا عنه في مقالنا المنشور حول المساجين الذين أبطل الشعب متابعتهم وبقوا خلف القضبان، حيث تناولنا بالإسم وتفردنا بكثير من الأمور في ذلك، أكثر من ذلك أن اللجنة العربية لحقوق الإنسان نشرت تقريرا عن التعذيب في سجون الجزائر، وكشفت الكثير من الحقائق حول ما تعرض له هؤلاء المساجين “الإسلاميين” قبل العفو الذي غربل قضاياهم حسب ما تأمر به الأجهزة الأمنية وليس ما تقرره غرف الإتهام والقضاة الذين تم تعيينهم لهذه المهمة، ومصادر أكدت لنا ان جلسات غرفة الإتهام على مستوى المجالس القضائية يحضرها ضباط أمن بين أيديهم تقارير سرية…

المخلفات والآفات…


السلطة كما ذكرنا تصر على أن ميثاق السلم والمصالحة نجح نجاحا باهرا، ومن دون أن تقدم التقرير عن حصيلته الحقيقية بلا مزايدة، لذلك نرى النفي المطلق لوجود القاعدة بالجزائر، وطبعا هذا الإصرار هو التمهيد لأجل تنفيذ مخطط “العهدة الثالثة” الذي درست أوراقه منذ فترة ووضعت المخططات وآليات التنفيذ، لكن في الوقت نفسه العمليات التي تنسب لما يسمى بـ “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” ويتبناها في بيانات على شبكة الأنترنيت لم يحصل التأكيد من صحتها ولا قادة التنظيم الأم تحدثوا عنها سواء في خرجات أسامة بن لادن أو نائبه أيمن الظواهري، بالرغم من الحديث المتشعب عن كل القضايا التي تشغل بال العالم العربي والإسلامي ولم تسلم حتى الأمم الأخرى، ظلت تزرع الأشواك في الدرب الوردي لهذه العصابة، وان حاولوا إستثمارها بطرق بشعة لصالح مشروعهم…


لقد تجلت عدة أمور كالأحكام القاسية من إعدام ومؤبد عكس ما أكده الرئيس بوتفليقة في حملته للميثاق من وعد النظر بعين الرحمة لقضايا كل من لم يشملهم العفو والمتورطون في الإستثناءات الثلاث وهي الإغتصاب والقنابل في أماكن عمومية والمجازر، وهذا الذي تحدثنا عنه في مقالنا المنشور تحت عنوان: “المصالحة الجزائرية: بين قسوة المحاكم ورحمة الرئيس”، ونجد أيضا أن المساجين الذين أفرج عنهم صاروا يصنعون الحدث المسلح، بالرغم من عدم وجود حصيلة رسمية حول المفرج عنهم الذين إلتحقوا مجددا بمعاقل القاعدة، إلا ان بعض المصادر أكدت لنا أن نسبة كبيرة منهم وقعوا ضحية غسل الدماغ سواء بالسجن أو حتى من طرف بعض المؤيدين لأفكار القاعدة الجهادية، وقد زادت نسبتهم خاصة بعدما قابلت “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” دعوة الرئيس للإستفادة من الميثاق ان صارت “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، وقد شنت حملة على السجون التي تحولت إلى مدارس للإنتحاريين، وتناولت وسائل الإعلام ذلك بكثافة وسال الحبر كثيرا منذ تفجير المجلس الدستوري في 11 ديسمبر من طرف شارف العربي المكنى “عبدالرحمان أبو عبدالناصر العاصمي”، وهو ممن إستفادوا من ميثاق السلم والمصالحة، حيث غادر سجن الحراش في ماي 2006 أي بعد 3 أشهر من بداية التطبيق الفعلي للميثاق، والذي شهد أسبوعه الأول الإفراج عن أغلبية المساجين الذين تمت برمجة العفو عنهم، وأما من تأخر أمرهم فتعلق بتقارير أمنية لم تصل بعد للقضاة المكلفين حتى يصدروا أوامرا بإنتفاء وجه الدعوى أو إسقاط العقوبة، وطبعا رددت وسائل الإعلام أسماء أخرى تخرجت من السجون تحمل الفكر الجهادي “أبو الحارث”، “عبلة – ح”، “عبدالرحمن”… الخ، ومن حين لآخر يطلع خبر عن إلتحاق جديد بالعمل المسلح، نذكر مثلا ما صرح به العميد أول للشرطة صالح نواصري الذي أكد مؤخرا أن 4 أشخاص ممن أفرج عنهم بتلمسان حملوا السلاح…
نعود لشارف العربي الذي أكدت لنا مصادر لا يشوبها الشك أبدا انه كان من بين المساجين الذين لا يحملون فكرا سلفيا جهاديا أبدا، ولا يملك ثقافة دينية واسعة، حيث أنه عاش لسنوات في سجن الحراش وبالقاعة “2 مكرر أ” ومع من يسمون أنفسهم “إمارة السجن” الذين يعتبرون متطرفين في أفكارهم وسلوكهم، إلا أن شارف العربي ظل يأخذ الأمور ببساطة ولا يهتم كثيرا بتلك الأطروحات الجهادية التي ظل يروج لها في السجن (لمعرفة الكثير عن ذلك يرجى مطالعة ملفنا المنشور تحت عنوان “الإسلاميون من وراء القضبان: حروب الجماعات وتناحر الأمراء” ففيه أمور دقيقة جديرة بالتنويه)، هذا إلى جانب أن مصادر عائلية اكدت أن إختفاءه مشوب بالحيرة والتساؤل، وبينهم من حمل الأمن مسئولية إعتقاله… فإختياره لتلك العملية الدموية –مهما كان مصدرها- والتي نرفضها وندينها هو إختيار غير بريء أبدا، ربما ممن لهم المصلحة في خلط الأوراق على ملف المصالحة والذي يعني مباشرة الوقوف في وجه الرئيس بوتفليقة الذي يراهن على خطواته في تلك المصالحة لأجل المرور لعهدة ثالثة، سواء من داخل السلطة أو حتى خارجها…

من وراء بعث رفاة “الجيا” مجددا؟


في الآونة الأخيرة كثفت مصالح الأمن في بحثها عن محمد صدوقي المكنى “عبدالقادر الروجي”، وراحت وسائل الإعلام المختلفة في الجزائر لتلميعه وجعله “النجم” الجديد في دنيا العمل المسلح أو ما يسمى بـ “الإرهاب”، من خلال القصص المختلفة التي يبدو أن مصالح الأمن جادت بها لقاعات التحرير، بل أكثر من ذلك أكدت مصادر أمنية مختلفة أن “الروجي” قد أعاد للحياة من جديد التنظيم الدموي والمثير للجدل “الجماعة الإسلامية المسلحة” المعروف بتنظيم “الجيا”، وذلك برفقة مجموعة ممن أفرج عنهم في إطار ميثاق السلم، حيث إستطاع أن يجدد الإتصال بهم وتجنيدهم، وأكثر من ذلك أن “الروجي” رفض الإنضواء تحت لواء ما يسمى “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” وطلب أن يعمل تحت لواء تنظيمه السابق “الجماعة الإسلامية المسلحة”، وهو ما وافق عليه أميرهم عبدالمالك درودكال، وصار الآن يرابط في نواحي ولاية المدية بمجموعته التي وصفت بالخطيرة، وصارت مصالح الأمن تتخوف من عودة المجازر الجماعية التي تستهدف المدنيين، من طرف هذه المجموعة التي تعد على الأصابع حسب الواقع…


فقبل الحديث في هذا الموضوع وجب أن نكشف أسرارا تنشر لأول مرة عن “عبدالقادر الروجي”، وهي مهربة من سجن الحراش حيث كان يقبع لسنوات قبل الإفراج عنه في أواخر مارس2006، في إطار عفو ميثاق والسلم والمصالحة الوطنية… محمد صدوقي هو صهر زميله الآخر عزوق مقران حيث أن هذا الأخير متزوج من شقيقته، إلى جانب أن والد “الروجي” كان أيضا موقوفا بسجن سركاجي “وسط العاصمة” ولم يستفد بداية الأمر من العفو الذي شمل إبنه، بالرغم من أنه متهم في القضية نفسها التي توبع فيها أيضا سلمان جمال وعوار محمد وعزوق مقران –طبعا- الذين حكم عليهم ضمن ما يعرف بمجموعة “ابوتراب” في 07 نوفمبر 2007 حيث حكم على عوار وعزوق وكركار رشيد بالإعدام، والمؤبد للمتهمين الآخرين… للتذكير أن وزارة الإتصال الجزائرية عرضت على الصحفيين يوم الجمعة 09 أوت 2002 شريطا تضمن إعترافات خطيرة للجماعه، وقدم عزوق مقران على أنه مسئول الدعم والإسناد في تنظيم الجيا، وخفايا عن تفجيرات مختلفة هزت الأربعاء “ولاية البليدة”، ومعلومات أمنية مختلفة عن تنظيم “الجيا” ونشاطاته…


قبل الإفراج عنه كان “الروجي” يعيش في القاعة “1ب” مع جماعته بإسثناء سلمان جمال الذي كان في القاعة “2 مكرر أ”، بعدما أعلن توبته من جماعة الهجرة والتكفير لذلك قبل أميرهم انضمامه لإمارته، المكونة من عدة قاعات حينها، القاعة التي كان بها “الروجي” لها مميزات خاصة منها السماح بالتدخين في الساحات ويمنع داخل القاعة، وكذلك يسمح بمشاهدة الأفلام مع حظر رؤية المرأة أو سماع الموسيقى، ووجود ما صار يعرف في السجن بجماعة “الجيا” في القاعة يعود لأسباب عقدية لأنه ممنوع عليهم الإلتحاق بالقاعات الأخرى في إطار الحرب على التكفيريين التي يشنها المساجين، وهو الأمر نفسه الذي يتعرض له التائبون أو ممن قبض عليهم وأدلوا بمعلومات لمصالح الأمن… كان “الروجي” برفقة مقران وعوار وذباح بشير وآخرين ينصبون خيمة مصنوعة محليا عن طريق إخاطة إزار كبير الحجم وعدة مناشف حمام، حيث لا يستطيع أي احد أن يطلع على سلوكهم وخفاياهم في زاويتهم، فقد خصصوا خيمتهم للطبخ والدروس الدينية وحلقات حفظ القرآن، ولا أحد يتجرأ على الدخول عليهم، بل ان الآخرين يتفادونهم لما يتمتعون به من رعب حول تنظيمهم أو حتى عمليات دموية قاموا بها، ولا هم يحتكون مع غيرهم أو يصلون معهم… كان “عبدالقادر الروجي” دائما مكحل العينين، يلبس سروالا أفغانيا وما يعرف بلباس نصف الساق، يداوم على حفظ القرآن وقيام الليل، لا يخالط سوى مجموعته في القاعة أو شامة محمد المدعو “القعقاع” الذي يعتبر أحد أمراء “الجيا” والذي قام بتصفية رشيد قوقالي المدعو “أبو تراب” لحساب آخر الأمراء نورالدين بوضيافي المدعو “حكيم اربي جي”، والذي كان ينزل في “1 س” وهي القاعة المتواجدة قبالة “1 ب” في الجناح المخصص للإسلاميين والمحكوم عليهم نهائيا من مساجين الحق العام، وأيضا يتردد عليهم رفيقه في القضية جمال سلمان الذي يتواجد في ما يسمى بـ “الإمارة” أو حسين بوشمة في “1 مكرر أ” وكان محكوم عليه بالمؤبد في قضية إغتيال شرطي بالقبة “العاصمة” وصار يحمل الفكر التكفيري في السجن، أفرج عنه صيف 2006 بعدما شن عدة إضرابات عن الطعام…


لقد تردد عليه ضباط المخابرات في السجن – حسب تقرير اللجنة العربية لحقوق الانسان عن التعذيب في سجون الجزائر – في الفترة الممتدة بين ماي 2005 وجوان 2006، وكان دوما برفقة جماعته يرددون أنهم لن يستفيدوا من ميثاق السلم لأنهم توبعوا في تفجيرات بأماكن عمومية ومجازر إرتكبوها إلى جانب الإغتصاب الذي توبع فيه عوار محمد، ولكن في مارس حدثت المفاجأة أن وصل أمر الإفراج عن ذباح بشير وصدوقي محمد “الروجي” وآخر، ولكن لما وصلوا إلى إدارة السجن وأثناء التوقيع على دفاتر الخروج، ليصدموا بأمر إعادتهم مجددا للسجن، ولما أصروا على معرفة السبب أجابهم ضابط أنه وقع خطأ في أحد الأسماء، لذلك سوف يتأكدون لدى أمانة غرفة الإتهام بالعاصمة التي أصدرت أمر الإفراج، وكانت الحادثة ضربة قاصية لهم، وراودتهم الشكوك من كل جانب حتى ما عادوا يتناولون وجباتهم، بعد خمسة أيام تعاد المناداة عليهم وغادروا السجن، ليفتح ذلك أمالا لعزوق مقران وسلمان جمال وعوار محمد – الذي نقل لسجن البليدة حيث متابع في قضية أخرى – غير أن الأمور سارت عكس ما تمنوها، فقد قبض على عزوق متلبسا بحيازة هاتف نقال وحكم عليه بتهمة حيازة ممنوعات بعامين نافذين، “الروجي” وذباح في ما بعد ظلوا على إتصال هاتفي بزملائهم حيث أخبروهم أنهم إشتغلوا في التجارة بأسواق الخضر، حيث طويت صفحة الماضي عندهم وتفرغوا لحياتهم الشخصية…


عزوق مقران نقل للقاعة “2 مكرر 1″ بعد عمليات الإفراج، وقد خصصت إدارة السجن قاعتين فقط بدل 6 قاعات التي كانت من قبل، مما إضطر ما يعرف بـ “الإمارة” أن ترضخ للأمر وتتنازل عن بعض الضوابط العقدية التي تتزمت فيها من قبل، فقد أكد لمساجين متواجدين معه في القاعة نفسها من أن المخابرات هي التي وافقت على الإفراج وان محمد صدوقي قد إتفق معهم في عدة أمور ولم يكشف عنها، وإن كان يلمح لأنه سيكون ضمن الإتفاق هذا إستفادته من العفو أيضا على خطى صاحبه، لكن حكم عليه بالإعدام كما ذكرنا سابقا، مما يجعل طبيعة ما اتفق عليه طي المجهول ومحل الظنون المتناقضة… لقد شنت الصحف حملة غير بريئة، من أن صدوقي محمد المكنى “عبدالقادر الروجي” قد أعاد إحياء تنظيم “الجيا” من جديد، وبرفقة المفرج عنهم في إطار ميثاق السلم، وهو ما يبدو مخالفا للحقيقة لأن “الروجي” كان لا يخالط أحدا في السجن ولم يفرج عمن كان يخالطهم سوى ما يعد على أصابع اليد الواحدة، أما الآخرون والمتهمون معه فقد حكم عليهم ما بين الإعدام والمؤبد، ولا يمكن أبدا تشكيل تنظيم خطير كما يروج له بهذه الصورة، إضافة لذلك أن “الروجي” ظل تحت أعين مصالح الأمن منذ عودته لبيته، وأكثر من ذلك أن المساجين كلهم مستهم الحيرة بسبب العفو على “الروجي” الذي كان تكفيريا ويعد لدى المخابرات من العناصر التي يحسب لها الف حساب، ووضع في خانة الأسماء الخطيرة للغاية وهو لا يزال في السجن، والإدعاء بأنه إتصل بدرودكال وجماعته هو إدعاء باطل لأن “الروجي” محكوم عليه بالردة من طرف أنصار القاعدة في السجن، وكما ذكرنا ظل منبوذا من طرفهم، فكيف به يعود إلى معاقلهم ويتفاوض معهم؟…


إذن الحملة الجديدة وفي ظل الحب الشاملة التي يشنها ما يسمى تنظيم القاعدة على النظام، يجعل إحتمالات كثيرة قائمة على ما يجري من تلميع للروجي وتنظيمه العائد من القبر، بعدما أعلن حله ونهايته وعلى يد الأمن الجزائري، فقد يحتمل أن النظام يريد صناعة جيل آخر من خلاله يحول الحرب إلى داخلية بين القاعدة و”الجيا” هذه في طبعتها “الروجية” الجديدة، ومن خلاله يستطيع أن يعيد هذا التنظيم ومن عناصر ولاؤها المطلق طبعا له، وهو ما يساعد على عملية إقتفاء آثار القاعدة ومحاصرة سبل الإمداد التي تعتبر حبل الوريد في إستمراره وحيويته… قد يحتمل آخر أن النظام يريد إعادة التنظيم الذي تنسب له كل المجازر في حق المدنيين، وهذا ما يجعل عودة المجازر الفظيعة والعمليات القذرة قائما، وقد يتساءل البعض عن الفائدة التي قد يجنيها من خلال عودة “الجيا” إلى مسرح الأحداث، ربما يعود بالفائدة على جناح يرفض التجديد والعهدة الثالثة لبوتفليقة، فعودة هذا التنظيم معناه الرجوع بخطوات عملاقة إلى سنوات الدم، مما يجعل كل ما قدم في سبيل المصالحة هو مجرد غثاء لم يزد الجزائر إلى غرقا في مستنقعات الدم… قد يأتي مراقب ثالث ويحتمل من أن النظام ينفي دائما وجود القاعدة في الجزائر، وفي عودة “الجيا” وبأعمالها القذرة يخلق توازن في الحرب ولا يجعل الصراع القائم بين النظام والقاعدة فقط، وهو الذي يفتح مستقبل العمل المسلح مرة أخرى على إحتمالات كثيرة، وخاصة أن “الجيا” وبإعتراف من أقطاب وأمراء الجماعات المسلحة تعتبر سبب السقوط والهزيمة التي مني بها ما يسمى عندهم بـ “الجهاد”… إحتمال آخر لصالح أنصار العهدة الثالثة قد يراه غيرنا من أن النظام يريد التأكيد على خيار المصالحة سيبقى قائما ولن يوجد سوى بوتفليقة لإطفاء هذه النار، لأنه في حالة نهاية العمل المسلح وإستتباب الأمن تجد السلطة نفسها أمام غول آخر وهو الأزمة الإقتصادية التي يعيشها الشعب الجزائري، وفي ظل الخزينة التي صارت على أبواب 100 مليار دولار وبفضل الصعود الصاروخي لأسعار النفط الذي صار على مشارف 110 دولار للبرميل، ففي ظل الأمن قد تنفجر الجبهة الإجتماعية ويفقد بارونات الفساد والسلطة الكثير من الفرص، لهذا لا مأمن لهم من الحساب على المال العام الذي ينهب صباح مساء إلا في إنشغال الناس بقضايا ما يعرف بالإرهاب وخوفهم على الشبح الذي يتصيد لأرواحهم… قد يرى البعض تناقضا بين بعض ما ورد وهو الحقيقة لأنها مجرد إحتمالات تراها مختلف الرؤى والعيون، لكن تبقى حسب ما يراد ويروج لها إعلاميا، فقد يراد من طبعة “الجيا” الجديدة الترويج من أن الدولة فتحت لهم الباب وعفت عنهم ولكن عادوا لضلالهم القديم، وان يدها ستظل ممدودة وخيار المصالحة يجب أن يستمر حتى يعالج الداء ويجتث من جذوره، فقد عولج أمنيا ولم يفلح ثم عولج قضائيا ولم يفلح وسيعالج مستقبلا فكريا ولا أحد في مستوى ذلك سوى بوتفليقة طبعا، لكن المعالجة السياسية تبقى بعيدة عن أجندتهم لأن فيها عودة شيوخ الجبهة المحظورة للساحة…

 أمر آخر قد يحمل ويروج على أن الدولة ارتكبت خطأ في الإفراج عنهم وأن الميثاق لم يكن في المستوى الذي سيعالج الأزمة، وسبب عودة التنظيم للواجهة هو الميثاق في طبعته الحالية وليس شيء آخر، وهذا ما صرنا نراه يوميا عبر الصحف التي تحسب على أجنحة ترفض العهدة الثالثة… هنا يجب التنبيه لشيء ما يجب نسيانه، فقد يقال أن الخطأ في المساجين المفرج عنهم بأن تحولوا إلى انتحاريين آو عادوا للجبال أو التحقوا مجدد بالعمل المسلح وليس في الميثاق الرئاسي، هذا نراه كلاما غبيا للغاية لمن لا يعرف طبيعة الأجهزة الأمنية الجزائرية التي ركزت تركيزا كبيرا في تلك الفترة على المساجين وأودعت ضباطا للمخابرات في زنازينهم، وبناء على التقارير التي ترسل تم الفصل في الملفات، ولا يوجد مكان يعبر فيه عن الفكر الجهادي مثل السجن، فالحلقات والدروس وقيام الليل والمعاملة مع الحراس وعقيدة الولاء والبراء الممارسة علنا، تعطي الصورة الحقيقية عن إيديولوجية كل سجين التي لا يستطيع إخفاءها، فكما قلنا عن “الروجي” أنه كان تكفيريا برفقة جماعته وظل دوما يمجد منهج “الجيا”، وزاره ضباط المخابرات مرات متعددة وتعرض حتى للتعذيب في العيادة كما ورد في تقرير اللجنة العربية لحقوق الإنسان عن التعذيب في سجون الجزائر، فكيف افرج عنه وقد أكد لنا ضابط كان من بين المندسين في وسط سجن الحراش انه أرسل تقريرا للمخابرات يحذر فيه من الإفراج عن “عبدالقادر الروجي”، ولكن تقريره ضرب به عرض الحائط وتم تجاوزه…وأو

على هامش السراب…


هذه “المصالحة” مفتوحة الآن على جبهات مختلفة، جبهة تريد لها النجاح وهي تلك المحسوبة على الرئيس بوتفليقة وبكل الطرق، والنجاح الذي يقصد به هو تلميعها بأحداث مؤثرة تكسبها الهالة الشعبية، ولهذا السبب نرى أنه بعد كل عملية تفجير تجد التصريحات والمسيرات “العفوية” تسبح وتهلل بالمصالحة وتشجب وتلعن أعداءها، والحدث القائم الآن في سرايا الحكم يتوقف على ما تؤول إليه هذه المصالحة، التي جاءت لتخدم النظام أولا وتحصن وتحمي من سماهم الميثاق الرجال الذين هبوا لنجدة الجمهورية، وخاصة أن ضربات “القاعدة” وضعت بوتفليقة في مأزق كبير زاده بلة تلك العمليات التي قام بها مفرج عنهم في إطار الميثاق، وهو ضربة أريد منها توجيه رسالة من أن رفض القاعدة التي كانت حينها تسمى “الجماعة السلفية للدعوة والقتال” للمصالحة والعفو، وهو الخيار العقدي الصواب الذي ينتهجونه – حسب رأيهم – ولا دليل عليه سوى إلتحاق المفرج عنهم بمعاقلهم وقيامهم بعمليات توصف عندهم بدعا بـ “الإستشهادية”، وأن ما يروج له النظام من نهاية المسلحين هو مجرد جعجعة لا طائل منها، وقد لاحظنا تركيز التنظيم في عملياته الإنتحارية على أجيال جديدة وحتى من المراهقين مما يعني استمرار التجنيد عكس ما يثار إعلاميا ان الشباب الجزائري يرفض هذا العمل الإجرامي، وإن كنا نرى ان الشاب الذي يمتطي قاربا للموت من اليأس قد يمتطي سيارة مفخخة من الحنق… السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل فشل ميثاق السلم حقيقة أو أن جهات ما أرادت له الفشل؟ خاصة أن النظام يرفض وجود حتى الذين عادوا للمجتمع سواء توبة أو في إطار العفو، لأنهم في نظر الأجهزة الأمنية هم متورطون في دماء الجزائريين وهو ما لن يغفر لهم مستقبلا، حتى أن بعض المتتبعين للشأن الجزائري يرى من أن المفرج عنهم وكانوا بالفعل محسوبين على الإسلاميين فقد توبعوا مرة أخرى، فبينهم من أعتقل بتهم جديدة يجمع أغلبهم على أنها ملفقة، وتشير بعض المصادر أن نسبة 20 % يتواجدون حاليا في السجون، وآخرون التحقوا بمعاقل الجماعات المسلحة وهي نسبة تصل لحدود 10 % ويكفي ما يثار عن الإنتحاريين وحتى عن التنظيم “الروجي” الجديد الذي إستقطب قدماء المقاتلين المفرج عنهم، مع العلم أن نسبة كبيرة ممن أفرج عنهم هم من لا علاقة لهم بالقضية الخاصة وهم في الأصل متهمين في قضايا تتعلق بالحق العام، كتهريب الرمال وعدم التبليغ والمتاجرة في اشرطة ممنوعة منزلة من الأنترنيت… فماذا بقي إذن من المساجين الإسلاميين المفرج عنهم؟


كما تقدم أن ميثاق السلم مني بالفشل حقيقة وبعث الروح فيه ليس بما تروج به حركة حمس المفلسة، ولا ما قد يأتي من طرف أحزاب أخرى، فما بني على باطل فهو باطل، ومعالجة الأزمة يجب ان تنطلق من روح وطنية حقيقية وليست من أجل مصالح آنية يراد منها طي ملفات متعبة كالمفقودين وحصانة المتورطين في الدماء من السلطة بمختلف مشاربهم ومراتبهم… فترى ماهي رهانات بوتفليقة للعهدة القادمة فهل سيكون النفس الآخر لجثة الميثاق الذي ولد ميتا أم صفقة سرية مع حسان حطاب ستكشف في حينها أم مشاريع إقتصادية ضخمة تبذر بلا حسيب لأجل كسب الرهان؟ طبعا بلا شك أن الأيام كفيلة بتبيان هذه المعادلة المتشعبة في عالم السياسة خاصة إن تعلق الأمر بالمشهد الجزائري المعقد…

عن لجنة التحقيق الأممية: بان كي مون في مواجهة مغامرات البوكيمون الجزائري

يناير 28, 2008

شكلت الأمم المتحدة لجنة أوكلت لها التحقيق في التفجيرات التي ضربت بعثتها في الجزائر في 11 ديسمبر من العام الفارط، وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى وتدمير كامل لمكاتبها، وهي سابقة منذ إندلاع العنف في هذه البلاد عام 1991… في الحقيقة أن هذا القرار يبدو “مفاجئا” للسلطة الجزائرية وخاصة أن الأمين العام الأممي بان كي مون قد زارها بعد التفجيرات ووقف على المقر المدمر، ولم تكن تصريحاته حينها سوى ما يصب في أقداح النظام، ويعتبر القرار هذا سابقة أولى في التعامل مع الشأن الجزائري، فلم يسبق أن شكلت لجنة للتحقيق بالرغم من مطالب مختلفة تقدمت بها الهيئات والمنظمات الحقوقية وحتى مفكرين ومثقفين، والداعية إلى التحقيق في المجازر الفظيعة التي ضربت المدنيين العزل أو السجون السرية

وزاد الطين بلة أن وجهت أصابع الإتهام لمصالح الأمن ومن طرف عسكريين فارين للخارج، وفي ظل الترويج الكبير المشوب بالشكوك لنظرية من يقتل من؟ التي أثقلت كاهل السلطة في الجزائر، مضى طلب تلك المؤسسات الناشطة في مجال حقوق الإنسان ملحا على ضرورة تشكيل لجنة مستقلة للوقوف على حقيقة ما كان يحدث بالجزائر، إلا أن السلطة الجزائرية رفضت ذلك رفضا قاطعا، وجعلته يدخل في إطار المساس بالسيادة الوطنية، وراحت تشيد بمصالحها الأمنية كما أشادت بها في ميثاق السلم والمصالحة الوطنية وشرعت معاقبة كل من تخول له نفسه النبش في ما سمتها “المأساة الوطنية” بالسجن، او يجرؤ على متابعة قضائية لرمز من رموز “نجدة الجمهورية” وذلك بالرفض والمنع… لقد قابلت الهيئة الأممية كل تلك الطلبات بالتجاهل، وظلت تصب نبيذ الرضا في أقداح السلطة الجزائرية القائمة، فقد كانت مجرزة بن طلحة من أفظع المجازر التي حدثت، واتهمت السلطة حينها تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة المعروف بـ “الجيا” المثير للجدل بالوقوف وراء هذه المجزرة الشنيعة وبقيادة الدموي عنتر زوابري، وهو عسكري فر من ثكنته ليلتحق بأشقائه الآخرين أبرزهم علي زوابري وقضت مصالح الأمن عليه في “عملية نوعية” ببوفاريك في فيفري 2002، ولكن يوجد من أكد وقوف الأجهزة الأمنية وراءها سواء بالموقف السلبي المتثل في عدم نجدة المواطنين أو حتى من المشاركة بطريقة قذرة للغاية

وقد كانت شهادة نصر الله يوس التي نشرها بباريس تحت عنوان: “من يقتل في بن طلحة” القطرة التي أفاضت الكأس، زادتها شهادة العقيد محمد سمراوي حول التنظيم الذي اتهم رسميا بالوقوف وراء تلك الجريمة، حيث أكد في شهادته “وقائع سنين الدم” دور الأجهزة الأمنية في تكوين هذا التنظيم وكشف الكثير من الغموض حول علاقات مشبوهة لأمرائه مع المخابرات الجزائرية، أيضا نجد كتاب “الحرب القذرة” الذي أحدث ضجة كبيرة في الداخل الجزائري والخارج، وبالرغم مما نعرفه عن حبيب سوايدية وعن الذين يقفون وراء هذا المؤلف، إلا أن المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة بلغت ذروتها في 2000 رافقت ضجة الحرب القذرة الكبيرة والمبيتة… على كل ليس مجالنا التفصيل في حيثيات المجازر ولا نظرية “من يقتل من؟” التي جعلت مطلب تشكيل لجنة حقوقية على الأقل تصعيدي وضع النظام في موقف لا يحسد عليه، ونحن بصدد إعداد ملف حول هذه النظرية ومخلفاتها وتداعياتها وأسرارها مستقبلا، لكن وجدنا من الضروري التعريج عليها حتى نصل لصلب ما نحن بصدد الحديث عنه، والمتعلق باللجنة الأممية المشكلة أخيرا من طرف الأمم المتحدة للتحقيق في التفجيرات التي مست بعثتها… إن إقدام الأمم المتحدة على هذا القرار له جذوره وهي تلك التي أوردناها في إشارات عابرة سابقا، من أن السلطة متمثلة في أجهزتها الأمنية المختلفة لها الدور البارز في كل ما يحدث من عنف في البلد، وطبعا زاد تلك الشكوك يقينا تصريحات وزير الداخلية الجزائري نورالدين يزيد زرهوني عقب التفجيرات العنيفة التي ضربت المجلس الدستوري والهيئة الأممية، من أن مصالحه كانت على “علم مسبق” بما حدث وهو ما أسال الحبر وتلقفته التأويلات المتناقضة

لقد جعل الإحتمالات المختلفة تضرب يمينا وشمالا، فبينهم من ذهب إلى أن مصالح الأمن قصرت كثيرا بالرغم من علمها المسبق في تفادي العملية وإحباطها وهو ما يدين زرهوني وكذلك المدير العام للأمن العقيد علي تونسي، وبينهم من ذهب إلى حد إتهام السلطة بالتورط في ذلك، حيث أرادت أن تحدث المجزرة لأجل أطماع سياسية تتعلق بالعهدة الثالثة والتعديل الدستوري لأجل بقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم، وهو ما يروج له عبر الأرصفة خاصة… آخر ذهب إلى حد اتهام الوزير زرهوني بالخبل وأنه من الصدمة صار يهرف بما لا يعرف، آخر برر أن الوزير لا يعرف الحديث باللغة العربية لأن تكوينة فرنسي، فقد خانته الجمل في تركيبها جيدا حتى حمل تصريحه على غير ما أراد توصيله الوزير… لكن ما يسمى “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” أكد في بيان له مثير للريبة من أن مصالح الأمن عرفت بما يخطط للمجلس الدستوري والهيئة الأممية من خلال هاتف نقال المكنى سفيان فصيلة أبو حيدرة واسمه الحقيقي زهير حراك وهو “أمير العاصمة” ومسئول خلية الإنتحاريين في تنظيم درودكال، والذي قضت عليه مصالح الأمن في 06 أكتوبر 2007 بين بوغني وذراع الميزان، ومن دون أن يوضح البيان الكيفية التي عرفت بها، حتى خيل للبعض أنها مراقبة تصنت ليس إلا، لكن بعدها وفي 07 جانفي الجاري صرح مصدر أمني لم يكشف عن هويته ليومية “الجزائر نيوز” أن الأمر يتمثل في صور ثابتة للمقرات المستهدفة في الهاتف النقال الذي عثر عليه مع سفيان فصيلة لما قتل… التضارب وعدم الوضوح الظاهر للعيان حول معرفة مصالح الأمن للعملية قبل حدوثها، جعل الشكوك تحوم كثيرا ويتحمل مسئوليتها الوزير زرهوني، الذي تعامل مع الموضوع بطريقة دأب عليها النظام الجزائري حيث تجده يتعامل بلا شفافية يشوب التعتيم المتعمد كل ما يهم أمر الجزائريين، وبلغة الألغاز وكأن العالم كله يحمل عقله ويفكر بتفكيره، وإن كان زرهوني معروف بشطحاته المختلفة وسقطاته التي لا تنتهي، فهو الذي أشعل فتنة كبرى في بلاد القبائل لما إتهم الضحية قرماح بأنه تلميذ كسول وسيء المستوى، غير أنه ثبت في ما بعد عكس ما روج له الوزير، وغيرها من التصريحات التي تؤكد إما جهله الفاضح بما يحدث في قطاعه أو أن الرجل به مس من التخلف الذهني والفكري والدراسي، وهو حال أغلب المسئولين العرب المتخرجين من الثكنات العسكرية وبلا مستويات تذكر… صحيح أنه وزير لا يعرف فن التعامل مع الصحافة أو إدارة الندوات ويكفي ما جرى في الندوة الأخيرة التي أعلن فيها نتائج الإنتخابات المحلية، حيث ظهر في صورة لا تشرف أبدا النظام الجزائري، فالرجل لا يفهم أسئلة الصحفيين ولا يسمع ولا يدرك ما يريده السائل، بل أكثر من ذلك يتعامل في أجوبته مع صحفيين يعملون بكبرى القنوات الفضائية كأنه يتعامل مع شرطي مرور لا يعرف إلا الصفارة أو الإشارة بالتوقيف، أو ربما يتعامل مع مدمنين معتقلين في أحد مخافر قطاعه… لكن هذا كله لا يبرر أبدا ما حدث، فزلة لسان من طرف وزير للأسف هو وزير الداخلية قد لا تمر بسهولة أبدا، فالهيئة الأممية لا تراه كما تراه الرئاسة أو الحكومة التي تلتمس له مليون عذر، فهو عضو لطاقم حكومة يحمل رتبة وزير دولة تميزه عن زملائه ويدير حقيبة ذات حساسية مفرطة، وكل كلمة تلفظ بها دخلت للمخابر وقرئت بين سطورها من طرف محترفين يتقنون فن الطبخ الصحفي والسياسي والدبلوماسي…

نعم… لقد أدرك يزيد زرهوني أن تصريحاته هي التي دفعت الأمم المتحدة إلى هذا القرار والذي لن تستطيع الجزائر رفضه بسيادة كما يدعى، فذلك قد يفتح عليها أشياء أخرى لا تزال في أرشيف الهيئة الأممية، كالمجازر والمفقودين والتعذيب والخطف والقتل خارج أطر القانون والسجون السرية… الخ، فلقد راح يصرح هذا الوزير تحت قبة البرلمان بما يبرر به فشل مصالحه في الحفاظ على أرواح الأبرياء، وأعطى مثالا لا مكان له في الشأن الجزائري والمتمثل في أحداث 11 من سبتمبر 2001 والتي غيرت العالم وقلبته رأسا على عقب، فالوزير جعل من أن علم مصالحه المسبق ليس دليلا على تقصير مصالح الأمن، فهم علموا بما سيحدث من تفجيرات ولكن لا علم لهم بالتاريخ حتى يتسنى لهم إفشال العمليات، وهنا نجد أنفسنا مضطرين لمعاتبة تنظيم درودكال الذي كان من المفروض أن ينشر بيانا قبل الموعد ويعلن فيه التاريخ والساعة بالضبط، حتى تستطيع مصالح زرهوني النجاح في تحمل مسئوليتها… إنه تفكير عبثي من ناحيته السياسية ومن الناحية الأمنية وحتى من الناحية المنطقية، وخاصة المقارنة العجيبة من ان مصالح الأمن كانت تعلم بالتفجيرات كما كانت تعلم مصالح الإستخبارات الأمريكية بالتفجيرات التي نسفت برجي نيويورك، وهنا يكشف هذا الوزير “العبقري” شيئا مهما حول 11 سبتمبر، ووجب أن يؤخذ بعين الإعتبار لدى لجنة التحقيق بالكونغرس لتراجع الكثير من أوراقها وإن كانت قد وجهت أصابع الإدانة لمصالح أمنها في كثير من المحطات ومن طرف شخصيات أمنية وفكرية وسياسية، ولم تنتظر الوزير زرهوني حتى يأتي بعد 5 سنوات بما قد يحمل تدخلا في شؤون أمريكا الداخلية…

أمر عجيب أيضا أن الوزير زرهوني إستهزأ بطريقة غير دبلوماسية لا تليق أبدا به كوزير دولة ولا تليق بهيئة أممية عندما قال بسخرية كاملة أن أعضاء لجنة التحقيق إن أرادوا الذهاب إلى جبال سيد علي بوناب “على حدود ولايتي بومرداس وتيزي وزو” فستقوم مصالحه لنقلهم إليه، هذا بعدما غمز اللجنة بأنها لا تملك العصا السحرية للقضاء على ما يسمى بـ “الإرهاب”، وهو ما يؤكد أن الموقف الجزائري من اللجنة مضطربا للغاية، وفي هذا إشارة إلى أن اللجنة قادمة لا محالة للتحقيق في التفجيرات، أمر آخر لا يجب إهماله وهو إن كانت مصالح زرهوني تستطيع الذهاب لمعاقل القاعدة لأجل التوصيل فلماذا لا تذهب هي بدباباتها وطائراتها وصواريخها لأجل القضاء عليهم مادامت تعرف مكانهم بالتدقيق؟ !! وهل الحقيقة تظل غائبة في معاقل القاعدة أم ماذا؟ سبب آخر زاد من إصرار الهيئة الأممية على اللجنة وهو ما صرح به كمال درويش رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن السلطات الجزائرية تجاهلت طلبا من المفوضية لممثليات المنظمة الدولية، حيث أن مسئول الأمن في الأمم المتحدة طلب من السلطات الجزائرية إجراءات أمنية خاصة بينها الحواجز على الطرق المجاورة لمكتب المفوضية، ولكن السلطات قابلت الطلب بالرفض المغلف بالتجاهل طبعا… فسلطات تعلم بالعملية وتتجاهل طلب التعزيز الأمني ولم تتحرك لأجل إبطال ذلك، فهو يعني لمن يحمل أدنى تفكير منطقي على تورط هذه السلطة في المجزرة، فإما أنها تريد العملية لحسابات سياسية وأمنية مخطط لها سريا وفي هذه الحالة يجب أن تحاسب ولا طريق سوى هذه اللجنة الأممية حتى تكون الإدانة شرعية ودولية، إحتمال آخر وهو أن السلطة تستهين بأرواح الناس والمدنيين والأبرياء وفي هذه الحالة وجب أن تجبر على الإستقالة في أقل الأضرار الممكنة، وبين هذا وذاك وجب أن نجدد فتح الملفات السوداء التي حدثت في الحرب الأهلية خاصة ما يتعلق بالمجازر والمفقودين والإغتيالات لشخصيات مهمة على غرار محمد بوضياف وعبد الحق بن حمودة وقاصدي مرباح وحردي وغيرهم من الوزراء والشخصيات السياسية والعسكرية والإعلامية والثقافية والفنية، التي ذهبت أرواحها هباء في ظل عنف أشعل فتيله نظام عسكري انقلابي غاشم… أن يأتي الرد على لسان رئيس الحكومة عبدالعزيز بلخادم ولم يأت على لسان وزير الخارجية مراد مدلسي أو حتى بيان تصدره هذه الهيئة المخولة دبلوماسيا، هو في حد ذاته أمر مثير للغاية، فإن كان الوزير زرهوني لم يعلن رسميا موقف السلطات في تصريحاته الأخيرة بالبرلمان، حيث عزف على كل الأوتار بلا موقف صريح، ومسئول الإعلام في الخارجية أكد من خلال مصادر صحفية أن رئيس الحكومة عبر عن الموقف الرسمي الجزائري، إلا أن بلخادم رفض هذه اللجنة التي لم يستشر فيها الجانب الجزائري، وهو ما ظهر من مواقف الأحزاب التي هبت تدين هذه اللجنة في بيانات اغلبها ذات طابع حزبي ضيق النطاق تريد منه استغلال الموقف لصالح برنامج إنتخابي يسير على قدم وساق بينه الظاهر واغلبه خفي…

هنا نضطر بالعودة إلى الوراء بعض الشيء ونتذكر موقف الرئيس بوتفليقة من تصريحات وزير المجاهدين محمد الشريف عباس، الذي تحدث عن الأصول اليهودية للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ودور اللوبي اليهودي في وصوله لقصر الإليزيه، وهو الموقف الذي أثار ضجة كبرى بفرنسا وكادت أن تعصف بزيارة ساركوزي للجزائر، وهو ما دفع بوتفليقة للإعتذار الرسمي جاعلا تصريحات وزير المجاهدين شخصية ولا تلزم الدولة في شيء، لأن السياسة الخارجية من صلاحيات الرئيس بوتفليقة لوحده وليس من صلاحيات وزير المجاهدين ولا حتى المسمى تجاوزا وزير الخارجية… السؤال المتبادر للذهن في ظل هذه السفسطة التي لا نجدها إلا في الجزائر: أين موقف بوتفليقة من لجنة بن كي مون مادام هو صاحب الشأن في السياسة الخارجية؟ !! إذا بناء على ذلك نرى أن موقف بلخادم هو شخصي أيضا وربما حزبي بصفته الأمين العام لحزب جبهة التحرير ولا يلزم الدولة في شيء، بالرغم من أنه تحدث بصفته رئيسا للحكومة، وربما سيعاتب عليه أو يعجل برحيله من على رأس الحكومة في تعديل مرتقب وطبعا لحسابات أخرى مجهولة ولا تكشف للشعب المغلوب على أمره، مما يجعلنا نذهب إلى رؤية أخرى أشد وضوحا وتتمثل في أن شعارات السيادة والتدخل الأجنبي في الشئون الداخلية التي حملت من قبل في ظل مطالبة الهيئات الحقوقية للتحقيق في العنف الذي يضرب البلد حينها، هي الآن في إجازة مفتوحة وما يقال سوى ضجة هي في الأصل إنتخابية يراد منها تجنيد الشعب بشعارات طارئة تستغل في تعديل دستوري مرتقب ليس إلا…

نحن نعرف أن هذه اللجنة المشكلة هي في الأصل وسيلة ضغط دولية تصب في منحى أنصار التواجد الأجنبي في إفريقيا، وفي شكل القاعدة العسكرية أفريكوم الأمريكية التي لا تزال تبحث عن فضاء لها في المغرب العربي، لأنه لو كان السبب هو إستهداف الهيئة الأممية فهي لم تشكل لجنة للتحقيق في مقتل ممثلها الدبلوماسي البرازيلي سيرجيو دي ميلو بالعراق من قبل، وإن كان الأمر يتعلق بقتل أبرياء فهي لم تشكل لجنة للتحقيق في مقتل حوالي 200 ألف قتيل بالجزائر خلال العشرية التي مضت، وإن كان الأمر يتعلق بمواقف ومبادئ دأبت عليها الهيئة الأممية فهي التي شكلت محكمة دولية في مقتل الحريري بلبنان وتجاهلت إغتيال بوتو في باكستان، بالرغم من انهما بدرجة رئيس حكومة سابق، وفي الجزائر نفسها أغتيل محمد بوضياف في ظروف غامضة وهو يحمل رتبة تعادل رئيس دولة ولم تتحرك هذه الهيئة، بالرغم من ان القاتل المفترض بومعرافي لمبارك عسكري حوكم مدنيا، ونجد علي بن حاج وعباسي مدني مدنيان حوكما عسكريا، ولا يزال بومعرافي مستأنفا للحكم القاضي بإعدامه منذ أكثر من عشر سنوات، وهي سابقة قضائية خطيرة تتنافى وكل المعاهدات الدولية التي وقعت عليها الجزائر… على كل الحديث في الموضوع طويل ويحتاج إلى متسع أكثر مما هو متاح هنا، لكننا مجبرون في الختام على الإشارة إلى أن لجنة بان كي مون لن تصل لشيء في ظل مغامرات البوكيمون الجزائري الذي أتقن على مدار حرب أهلية مدمرة كل فنون السياسة المتعفنة والنتنة، فهي ستدخل الجزائر وستحقق وستعلن نتائجها والتي ستكون بلا شك في صالح النظام المتهم منذ زمن بعيد في كثير من القضايا، وهو ما يعطيه بلا شك مصداقية يجعلها حصان طروادة للمضي نحو عهد الدستور الجديد، وطي المفلفات السوداء التي لا تزال عالقة في رقبته، وما الرفض الذي يتبجح به بلخادم إلا جعجعة في طحين لا تقدم ولا تؤخر شيئا ستوجد لها المبررات السياسية والإنتخابية من بعد… والأيام سجال بين هذا وذاك.

وطن – اخبار العرب – عرب تايمز وكثير من المواقع العربية

تحت صمت ملايين الفقراء: ثورة المآزر البيضاء في الجزائر

يناير 28, 2008
تحت صمت ملايين الفقراء: ثورة المآزر البيضاء في الجزائر



تعيش الجزائر هذه الأيام مظاهرات عارمة يقودها طلاب السنة الثالثة ثانوي وبدعم من أقسام أخرى، الذين تحدوا قوانين منع المسيرات التي تفرضها الحكومة في إطار حالة الطوارئ السارية المفعول منذ سنوات، وطبعا القانون يمس المسيرات التي تناهض سياستها أما تلك التي تؤيد مشاريع السلطة فهي لا تحتاج لترخيص، لأنها غالبا ما توصف بالمسيرات العفوية، فقد وقعت مسيرات لإستقبال الرئيس بوتفليقة لما عاد من مستشفى فال دوغراس العسكري في جانفي 2006، ومسيرات أخرى جابت أصقاع الوطن بعد تفجيرات 11 افريل 2007 التي إستهدفت قصر الحكومة، وقد قادها الوزراء وزعماء ما يسمى تجاوزا بالأحزاب ونقابة بقايا العمال، لتندد بالعمليات الإرهابية وتعلن مساندتها للرئيس في ما يسمى بمسعاه للمصالحة الوطنية، وخرج أيضا الكثيرون في مسيرات وصفت طبعا كعادتها بالعفوية للتنديد بعملية إستهداف بوتفليقة في باتنة من طرف إنتحاري قيل أنه يحمل كيسا مشبوها أراد به إغتيال الرئيس في 06 سبتمبر 2007…
ثورة خارج مجال التغطية
ثورة المآزر البيضاء جاءت كرد فعل على كثافة الدروس المفروضة على تلاميذ الأقسام النهائية، وفي عهد من صار يكنى بعميد الوزراء في الجزائر، والذي قضى أكثر من عقد من الزمن وهو في الحكومة، بالرغم من الفضائح المختلفة التي مست قطاع التربية، إلا أنه لا أحد إستطاع أن يزحزحه أو يتحدى مشاريعه التي ظل يتبجح بأنها مشاريع إصلاحية تعيد البكارة للمنظومة التربوية التي طالما أتهمت بأنها تصنع ما يسمى بالإرهاب في البلد، فقد وقعت أخطاء في البكالوريا وبتر النشيد الوطني وفي كل مرة يدفع الثمن بسطاء ساقتهم أقدارهم بأن يتحملوا تنفيذ أوامر فوقية تشرعها إدارة هذا الوزير المدعوم من جهات عسكرية نافذة، وفضائح كتب التاريخ الخاصة بالسنة الخامسة والرابعة إبتدائي التي فيها تمجيد للإستعمار، لكنها أيضا دفنت مع أخواتها في دهاليز النسيان والتجاوز… لمن لا يعرف أن بوبكر بن بوزيد يتحدر من مدينة الضلعة ولاية أم البواقي (الشرق الجزائري) ووالده من بشاغات فرنسا في المنطقة، تحصل على الدكتوراه في الإلكترونيات سنة 1985 من جامعة موسكو، التحق بالحكومة عام 1993 كوزير منتدب للجامعات والبحث العلمي، ثم عين عام 1994 وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي وبقي في منصبه لغاية 1997 ليعين وزيرا للتربية الوطنية والذي لا يزال يشغله لحد الساعة بالرغم من تعاقب عدة رؤساء حكومات على مدار هذه السنوات كلها، أمر آخر أنه متزوج من روسية وهي شقيقة لجنرال في قيادة قوات الدفاع الجوي الروسية، والذي تربطه علاقات واسعة بالمؤسسة العسكرية الجزائرية وخاصة أن أغلب قادتها تكونوا في الكليات الحربية الروسية ولهم به علاقات نافذة سواء على المستوى الشخصي أو على مستوى صفقات التسليح الضخمة من رادارات ووسائل مضادة للطيران سواء من المدفعية أو مراقبة العمليات الجوية أو الصواريخ بيتشورا، والذي يلعب طبعا الجنرال الروسي الدور المهم في كل تلك الصفقات والأموال المبذرة يمينا وشمالا في أجهزة وأسلحة وتقنيات عفى عنها الزمن وتجاوزتها الأيام، للوزير بنت وحيدة اسمها نادية وتدرس في لندن متخصصة في البنوك، وحسب مصادر مطلعة أن الوزير بن بوزيد يستثمر في الفلاحة بالجنوب الجزائري مع دكتور سوفي متخصص في الفيزياء ومتخرج من روسيا أيضا، وطبعا ليس لوحده من تزوج بأجنبية فزميله رشيد بن عيسى وزير التنمية الريفية زوجته من أصل بولوني…
لقد حاولت بعض الجهات تسييس ثورة المآزر البيضاء وإعطاءها الطابع التحريضي، بل مصادرة براءة هؤلاء التلاميذ الذين هبوا لتنفيذ تهديداتهم في مسيرات سلمية، فالوزير راح يدعي أن جهات ما سياسية تقف وراءهم، بل مصادر إعلامية أخرى راحت تنشر ما يفيد أن نشطاء في جبهة القوى الإشتراكية التي يتزعمها الزعيم الثوري التاريخي حسين آيت أحمد، وبمعية آخرين من الحركة التروتسكية وأطراف أخرى نقابية، هي التي حرضت على هذه الثورة، كما ادعى وزير التربية أنه تم مصادرة منشورات وقعها مجهول اسمه “حمزة” الجمعة 18 جانفي الجاري تدعو للتمرد والتصعيد…
طبعا بينهم من يريد التشويش على العهدة الثالثة التي صارت هم الحكومة ومن يسير في فلكها، بل أولى الأولويات في هذا الوقت الذي يعيش فيه الشعب الجزائري الظروف المزرية، وآخر يريد إثبات وجوده في الساحة من خلال هذه المسيرات التي يمكن إحتواءها في أي لحظة وبقرارات وزارية لا تتعدى توقيعا شخصيا من الوزير بن بوزيد، ونجد في الخفاء من يحاول إجبار الوزارة الوصية على التنازلات في ما يتعلق بالرواتب الجديدة والقانون الأساسي للأساتذة… نعم إختلفت التحليلات والكل يحاول أن يبتعد عن الحقيقة الثابتة والمشروعة والتي تتعلق بحق هؤلاء التلاميذ في التظاهر للدفاع عن أنفسهم، فهم أدرى الناس بما يعانونه من كثافة الدروس واعاجيب المنظومة التربوية التي تثبت دوما فشلها على مدار عقود طويلة، الأمر الذي يمكن ان نشير إليه أن بعض المصادر الإعلامية قد سربت عن بعض المناطق التي رفع فيها التلاميذ شعارات ترفض العهدة الثالثة لبوتفليقة، وهو حادث إن وقع بالفعل كما روج له، وإن لم يكن مجرد مزايدات إعلامية ليس إلا يراد منها تثبيط الأولياء والتلاميذ أساسا لتكسير شوكة هذه الإنتفاضة المشروعة، لأن الكل يعلم بمصير من يقف في وجه تيار جارف تقوده السلطة الخفية وبدعم من جنرالات لهم نفوذهم وسطوتهم، فهي سابقة بعينها في ظل التطبيل ورقص الإنتهازيين والمفسدين والنفعيين واللصوص والمرتشين والمنحلين والمزمرين لعهدة ما تزيدهم إلا نفعا وثراء وما تزيد الشعب إلا فقرا وتدهورا وغرقا في الجوع، نضرب مثالا بسيطا أن وزير الفلاحة سعيد بركات يترأس مجلس إدارة “الشركة العامة للإمتياز الفلاحي” تورطت في فضيحة تبديد أموال عمومية تجاوزت 2000 مليار سنتيم من ميزانية حديقة الحيوانات والتسلية أو التي تعرف بحديقة الوئام المدني… حقيقة أنه لا يمكن أن يحدث في دول تحترم دساتيرها وقوانينها، أن تأتي قناة التلفزيون اليتيمة وتروج لتصريحات نفعية طماعة وصادرة من طرف أناس شبعوا من ريع السلطة حتى النخاع، ويطالبون الرئيس بوتفليقة من أن يترشح لعهدة ثالثة وبالأحرى يطالبونه بالرفس والتغوط على الدستور ورميه في سلة المهملات، فمثل هذه الدعوة المروج لها من قبل تلفزيون حمراوي حبيب شوقي هي دعوة للتمرد على الدستور والتي وجب أن يعاقب عليها القانون، لا أن يصفق لها من طرف أبواق السلطة التي بحتها التخمة في محميات نادي الصنوبر وموريتي، فتخيلوا لو أن أحدا ممن تنصروا صرح من ان المسيحية دين الدولة وهو ما يخالف الدستور، أو أن آخر لم يعجبه نشيد قسما وراح يطالب الرئيس بأن تعزف قصيدة جزائرنا يا بلاد الجدود في المناسبات التاريخية والرسمية بدل نشيد مفدي زكريا، فكيف سيكون مصيره؟ طبعا سيقدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى والتعدي على الدستور كما حدث لمفتشين ضحت بهم وزارة بن بوزيد في قضية بتر النشيد الوطني، المبتور أصلا في كثير من مستندات الوزارة الوصية، فالدعوة باطلة أصلا من الناحية الدستورية، فعلى الأقل كان يجب أن تكون لتعديل الدستور وليس لأجل العهدة الأخرى فقط وإنما لكثير من الأمور التي وجب أن تتم مراجعتها لإحداث التوازن الفعلي بين مؤسسات الدولة والهيئات والسلطات، فأن تصرف الأموال وتبذر لأجل تغيير مادة دستورية إنتخب عليها الشعب بـ “سيادة” كما زعموا حينها في عهد الرئيس الأسبق اليمين زروال، ولأجل أن يبقى فلان أو علان في السلطة مهما كانت عبقريته ومهما كانت إنجازاته، هو تطاول على الأمة وتطاول على قيمها الحضارية بلا شك، وليس هذا موضوعنا الآن، وبالرغم من أن الجميع يدركون أسباب تعديل الدستور في عهد الرئيس اليمين زروال، حيث طبخ من أجل إنهاء قضية جبهة الإنقاذ التي حلت من طرف العسكر، ليمنع الدستور تأسيس أحزاب على أساس ديني أو جهوي، وهو إدعاء باطل اثبتته بعض الأحزاب كحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية البربري، فكل مرة يعدل الدستور لمصلحة الحاكم فهذا يعني أنه لن تقوم للدولة قائمة أبدا مادام الحكام يفكرون بهذه الطريقة القذرة، فالواجب على الجميع هو الخضوع للدستور الذي لا يبدل ولا يغير مهما كان الأمر، أما أن يأتي كل من هب ودب ويحوله إلى غرف الإنشاء والمحاولات فذلك دليل على سقوط هذه الأنظمة وفسادها… نعم… نحن مع تعديل الدستور وإعادة النظر فيه لأنه لا يساير بالفعل كثيرا من متطلبات العصر، وأيضا أنه كيف وفق أهواء من سبق من الرؤساء، لكن أن نعدله لأجل هوى الرئيس بوتفليقة حتى يتمكن من الخلود في الحكم فذلك هو ما لا نقبله أبدا، ومهما كانت معجزات الحاكم فلا يبيح له أبدا أن يغير دستور بلاده لأجل الأبدية في الكرسي، هذا طبعا لا يجعل للدولة والقيم الدستورية أي هيبة، وقد يأتي يوم ويحكمنا متنصر قد يجعل المسيحية دين الدولة والعربية ليست لغتها، حينها نقرأ على أمتنا فاتحة الكتاب.
شرعية تحت الصفر
لقد قامت قوات الأمن بقمع التلاميذ والتعرض لطفولتهم وصرخاتهم البريئة بالعصي والهراوات، على عكس ما يروج له إعلاميا بأن الشرطة تلقت أوامرا بعدم إستعمال العصي والضرب، فقد قمعوا بالحراش (ثانوية عبان رمضان – أحمد توفيق المدني – محمد هجرس) وتم منعهم بالقوة من الوصول لمفتشية التربية لشرق العاصمة الجزائر… إن هذا الذي حدث لدليل قاطع على فساد منظومة الحكم في الجزائر، فالحل الأمني للإرهاب باء بالفشل الذريع، والحل الأمني للبطالة عن طريق توظيف الشباب في أسلاك الشرطة والجيش والأمن والحرس البلدي وحتى في ما يعرف بجماعات الدفاع الذاتي، زاد الوضع تدهورا واثبت أن العنف والحرب الأهلية التي تضرب الجزائر ليست كما يحاول أن يروج لها من انها حربا بين الدولة والقاعدة، لكن الحقيقة عكس ذلك تماما وما القاعدة إلا شعار أتخذ من طرف جهات داخلية وخارجية لتحقيق مآرب مختلفة بسطناها في دراستنا عن “تنظيم القاعدة في الجزائر: بين حسابات النظام وأطماع الأمريكان”… لكن أن يمتد الحل الأمني للمنظومة التربوية عن طريق قمع الأطفال وبالهراوات فذلك ما يزيد المؤسسات التشريعية إلا تفسخا، لأن ثورة المآزر هي في الأصل ثورة ضد ترسانة قوانين شرعتها الحكومة وباركها نواب البرلمان برفع الأيدي، مما يؤكد أن الأزمة في الواقع أزمة شرعية وليست أزمات عابرة تخلفها التحولات التي تشهدها كل الأمم خاصة تلك التي تعلن تحولها من الإشتراكية العابثة إلى الليبرالية المتوحشة، فلو كان النواب يتمتعون بالشرعية الكاملة فسوف يقفون إلى جانب خيارات الشعب وليس لجانب خيارات السلطة، ويكفي أن البرلمان الجزائري يمثل أقلية فقط، والدولة التي تشرع لها عصابة تمثل الأقلية لهي دولة تشرف على الزوال وستمحى حتما من خريطة العالم، لأن ابناءها قد يموتون جوعا وإرهابا وحرقة نحو الضفة الأخرى… فالنواب الذين تستنزف لأجلهم خزينة المال العام وبطريقة بشعة للغاية، حيث أن 389 نائب يلتهمون 387 مليار، تخيلوا أتاوى الهاتف 1 مليار سنتيم، وصيانة عتاد الإعلام الآلي وتدخل فيه لعب أبنائهم فاق 9 ملايير، ومصاريف المطعم 7 ملايير ونصف مليار سنتيم… الخ، على المستوى المحلي نجد الأميار قد أفسدوا في الأرض ومجرد إنتخابهم ينتهي إتصالهم بالناس ويتفرغون لخدمة أغراضهم الشخصية ومصالح الزمرة الفاسدة من أصحاب المال والأعمال الذين وقفوا لجنبهم وأوصلوهم لسدة المجلس البلدي أو الولائي، حتى يسيطروا على الميزانية ويستأثروا بالصفقات الضخمة، ويكفي أن العهدة التي مرت تمت متابعة 1178 منتخب وتم إدانة 400 منهم حسب وزير الداخلية يزيد زرهوني، وفي العاصمة الجزائرية وحدها حيث مركزية القرار والسلطة 22 من أميارها فتحت بشأنهم تحقيقات أمنية، ونسبة كبيرة من أميار العهدة السابقة تم ترشيحهم في الإنتخابات المحلية التي جرت في 29 نوفمبر 2007 فنجد 50 % من مترشحي حزب التجمع الوطني الديمقراطي تم ترشيحهم حسب ميلود شرفي القيادي في الحزب، وبالنسبة لحركة حمس جددت الثقة في جل المنتخبين السابقين حسب محمد جمعة المكلف بالإعلام، ويكفي آخر خبر وهو إدانة متصدر قائمة حزب سلطاني “حمس” بالعنصر ولاية جيجل بعام حبس غير نافذ وغرامة مالية قدرها 15 الف دينار جزائري وهذا بسبب تزوير شهادة عدم العمل لزوجة المير السابق لأجل تمكينها من إدراج ملف طالبي السكن الإجتماعي (صحيفة صوت الأحرار: 04/12/2007)، ونجد أيضا قريبة السعيد بوتفليقة (شقيق ومستشار الرئيس) بالرغم من أنها أدينت بعام حبس إلا أن ملفها للترشح قبل ببلدية عين البنيان “العاصمة” حسب ما صرح به كريم طابو السكرتير الأول لحزب الأفافاس (الخبر: 17/11/2007).
فمشكلة المحاولات القذرة التي تطبخ في الخفاء لأجل تسييس ثورة المآزر، لهي دليل قاطع على فشل وفساد الحكم في الجزائر، فساد في الحكومة التي برغم البحبوحة المالية التي تقترب من 100 مليار دولار تعج بها خزينة الدولة، لم تستطع إيجاد حلول ناجعة لواقع الشعب الجزائري الذي يقترب على تحطيم أرقام قياسية في نسبة الفقر، وطبعا عكس ما تروج له وزارة التضامن والتي غالبا ما تقوم بتزييف الحقائق حتى تعكس صورة مزركشة عن واقع مزري، فهذا الفقر قد نشر عدة آفات كالجريمة المنظمة والإرهاب والتشرد والضياع والحرقة والإنتحار وخطف الصغار والكبار والمخدرات والدعارة والعنوسة… الخ، ففي تقرير لوزارة التضامن سجلت منذ 2004 إلى غاية 1 سبتمبر 2007 عدد المتشردين بلغ 29148 من بينهم 3089 مختل عقليا و530 أم عزباء، الرجال المشردون 20816 والنساء 8332، المتزوجون بلغ 1720 والعزاب 19463، أكثر من ذلك أن 600 متشرد و173 متشردة بلغوا أقصى درجات الإدمان، وإن كنا نعلم مسبقا أن الوضع دائما اخطر بكثير مما تروج له الجهات الرسمية، ولكن في هذه النسبة ما ينذر بالخطر طبعا ويهدد بالإنفجار، إن زادتها إشتعالا أزمة غلاء الأسعار من بطاطا ولحوم وطماطم وزيت وغاز وكهرباء وسكن… الخ، وحسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة من أن مليون ونصف مليون جزائري يعانون من سوء التغذية، وأيضا على صعيد آخر تعرف الجزائر تصاعدا في الجريمة المنظمة، ويكفي الإكتظاظ الذي تشهده السجون فاق حدود التخيل فمثلا سعة سجن الحراش القانونية لا تتجاوز 2000 سجين ولكن يوجد به أكثر من 4000 سجين، والقاعة التي تكون مخصصة لـ 30 سجينا تجد فيها حوالي 150 سجينا يتقاسمون عدد البلاط أثناء النوم… أيضا في 10 الأشهر الأخيرة من عام 2007 وحسب حصيلة رسمية صادرة عن مصالح الدرك أنه تم تسجيل 2207 قضية مخدرات فقط وأنه تم حجز 64900 قرص مهلوس، أيضا إنتشار الفساد الأخلاقي فقد تم إحصاء 21 الف طفل غير شرعي خلال الخمس سنوات الأخيرة حسب وزير التضامن جمال ولد عباس، سجل كذلك 150 الف جزائري مريض بإنفصام الشخصية حسبما كشفه الدكتور شاكلي محمد المختص في الأمراض العقلية، أيضا إنتشار الفساد والرشوة ونضرب مثالا فقط أن اللواء بوسطيلة قائد الدرك أكد فصل 5000 دركي وإحالة 1600 منهم على العدالة منذ سنة 2000 بتهم تعاطي الرشوة والتأخر والغياب… هذا بغض النظر عن قضايا الفساد والرشوة والمحسوبية والإختلاس التي تضرب العمق الجزائري، ففي كل يوم تطالعنا الصحف انباء عن فضائح تمس القطاعات الحساسة مرة في البنوك واخرى في وزارات وحتى في البرلمان نفسه فضائح عديدة… فيمكن لنا ان نؤكد بناء على الواقع وبعض التقارير المستقلة على أن الوضع الإجتماعي ينذر بالإنفجار الذي لا يمكن تجاوزه أبدا، دفع الأمر بعض الدوائر في السلطة إلى التخوف من عودة أحداث أكتوبر أخرى في ظل هذا الوضع الإجتماعي المزري والمتعفن، فريع النفط الذي شارف ثمن البرميل 100 دولار جعل الخزينة العمومية تسيل اللعاب، قارب إحتياطي الصرف 100 مليار دولار، وقد كان عام 1999 قد بلغ 4,4 مليار دولار، ويكفي الهجمة الشرسة الغربية على ذلك كما جرى مع فرنسا حيث إستطاع نيكولا ساركوزي أن يفتك أكثر من 5 مليارات في صفقات ستعود بالفائدة على جيوب المفسدين وما أكثرهم في السلطة الجزائرية، ومنه 43 مليار دولار في الخزينة الأمريكية حسب تقرير معهد باترسون الصادر في أوت 2007، بالرغم من كل ذلك فالحكومة والنظام برمته لم يستطع التحكم وترشيد هذه الثروة التي تضيع بين صفقات مشبوهة وإختلاسات منظمة وديون متعمدة لصالح وجوه محسوبة على وزراء وجنرالات ومشاريع وهمية أو مزورة… ليبقى الشعب يئن تحت وطأة الفقر وغلاء المعيشة والجوع وإن هب أحدهم للدفاع عنه فإما تلفق له تهما تتعلق بالإرهاب أو الخيانة أو العمالة للخارج… ونشير هنا أن الجزائر تخسر سنويا ما بين 500 مليون و800 مليون دولار بسبب التعاملات التجارية بالأورو والصادرات بالدولار.
إن عجز الطبقة السياسية وما يسمى تجاوزا بالأحزاب التي ما صار همها سوى تطبيق برنامج الرئيس بوتفليقة، إن كان له برنامجا أصلا عدا تلك المصالحة المزيفة التي ما زادت الوضع الأمني إلا تعفنا، وكأنها أحزاب تشكلت لهذا الغرض وكان الحري بها والأفضل لحفظ ماء وجهها أن تسمي نفسها جمعيات مساندة أو خيرية بالرغم من أنه لا خير يرجى منها، وطبعا هذا لا يجعلنا ننفي دور بعض الأحزاب التي ظلت غصة في حلق السلطة، ولكن الإنتهازيين المتواجدين في كل مكان يرضخون لمؤامرات تنسجها السلطة ويدعمها زرهوني بإدارته فتقع فريسة لما يسمى بالحركات التصحيحية، كما جرى لحركة الإصلاح الوطني وزعيمها عبدالله جاب الله الذي سبق أن طرد من حركة النهضة التي أسسها وصارت مجرد بوق لا صوت بعد رحيله منها في إنقلاب صنعته السلطة، وأيضا ما جرى من قبل لحزب جبهة التحرير الوطني عندما تم الإنقلاب على زعيمه عبدالحميد مهري بسبب المصالحة والحوار وهو ما رجعت له السلطة في ما بعد كحل وحيد لتجاوز عقدة الشرعية التي تلاحقها فضلا من طي ملفات مقلقة وثقيلة تتعلق بحقوق الإنسان، وكذلك الإنقلاب على علي بن فليس لما حاول أن يخرج الحزب من جبة الرئيس بوتفليقة… الخ، فزعماء هذه التشكيلات التي لا قاعدة لها سوى اولئك الذين يلعقون من عير الغنائم التي تدرها سرايا السلطة على الأحزاب الممجدة لسياستها، أما الشعب الفقير المغلوب على أمره الذي أصبح يسدد أتاوات على التنفس فلا مكان لهم في برامج هؤلاء سوى عند مواعيد الإنتخابات حينها يخرجون من جحورهم المتمركزة بقصور محميات أمنية تستنزف الملايير أيضا من المال العام، هذا العجز يعود أساسا للإرتماء غير المشروط في مشاريع السلطة حتى ما صرنا نرى معارضة يمكن أن يلجأ لها لتمرير الخطاب الآخر والمتذمر لأغلبية الشعب الجزائري، فالأحزاب لما تخلت عن دورها وصارت تسابق الريح لأجل الظفر بمقاعد في الحكومة وحتى في البرلمان على حساب الأغلبية الساحقة، وإقصاء الوجوه التي لها مكانتها ومصداقيتها ومؤهلة لإدارة دفة المعارضة المشروعة والحقيقية للسلطة النائمة في العسل، تلك كلها حيثيات جعلت من الطبقة السياسية عاجزة على إيجاد مخرج مشرف لها في ظل السقوط الحر للمنظومة السياسية في الجزائر، وهو طبعا ما يخدم النظام الحاكم الذي يطيل عمره مستنقع سياسي لا تجد فيه إلا نقيق الضفادع ولا يطفو على سطحه إلا الخز ولا تفوح منه إلا رائحة التعفن…
أسس نظام في المعاش
منذ 1962 وهو تاريخ الإستقلال العسكري للجزائر، والنظام يصنع وجوده على بعض الأسس التي يعطيها مفهومه الخاص، ويخيطها على مقاس أقدامه وجواربه، بدأ من شرعية ثورية وتاريخية مستغلة إلى رمزية ضحايا الإرهاب الآن… فيمكن إجمالها في ما يمكن أن يختزل كل أسباب البقاء التي هب الحكم بها يصنع وجوده وخلوده برغم مآسيه، فالأساس الأول يتعلق بأمن الشعب وذلك من خلال تغذية الإرهاب وبطرق مختلفة، فكان في البداية بواسطة المطاردة والإعتقال التعسفي والتعذيب والسجن والقتل خارج أطر القانون، وهو ما دفع الكثيرين إلى الهروب نحو الجبال وحمل السلاح، غير أنه بسبب الإنقلاب العسكري أصبح أمرهم يمس شرعية الحكم فتحتمت بعض الإجراءات القانونية التي من خلالها أريد رفع الغطاء الشرعي عنهم وخلق الهوة بينهم وبين الحزب المحل وقيادته السياسية، أما اليوم فموضوع “القاعدة” وعملياتها المشبوهة هي البعبع الذي جعل الشعب الجزائري لا يفكر إلا في أمنه وحياته… أما الأساس الثاني ويتمثل في تفقير الشعب وتجويعه حتى يبقى لا يفكر إلا في خبز صغاره وما يسد به رمقه، لأنه في حالة الأمن والشبع تكون النفس البشرية تبحث عن إهتمامات أخرى، وقد يكون من بينها طبعا الحكم وقضاياه، والتجويع يمارس على الشعب الجزائري ليل نهار، بالرغم من البحبوحة المالية والخزانة العمومية التي ملئت بالملايير إلا أن الوضع يزيد تدهورا، دفع الشباب إلى الإنتحار إما في عمليات تنسب للقاعدة أو مغامرات في قوارب موت يعلم أغلبهم أن الوصول للضفة الأخرى من سابع المستحيلات كما يقال… الأساس الثالث ويتعلق بعواطف الشعب التي تدغدغ بقضايا هامشية لا تفيده في مستقبله أبدا، كقضية “الصحراء الغربية” التي جعلتها بطانة الحكم كأبرز ما يناضل من أجله الجزائريون من باب حضورهم الدولي والعربي، ووجدت الطغمة الحاكمة ضالتها في هذا الموضوع المختلق والدعم غير المبرر لعصابة البوليزاريو، فمنها عدم الإستقرار في منطقة المغرب العربي وجعل الجزائريين يعيشون دائما تحت هاجس عدو أجنبي يهددهم بالإحتلال كما يراد من المملكة المغربية، وكأن قدر الجزائر بعد الإستعمار الفرنسي أن يعيشوا هاجس الخوف من إستعمار أو اعتداء أجنبي آخر، وأيضا إبعاد القضايا الأساسية التي وجب أن يدعم فيها الجزائريون اشقاءهم العرب كقضية فلسطين والعراق… الخ، فالنظام يعتاش من قضية الصحراء التي يراد منها إبراز النضال من أجل شعب يبحث عن تقرير مصيره، وطبعا من قيم الدولة الجزائرية مساندة قوى التحرر في كل العالم، وقضية الصحراء ليست كما يروج لها بل هي أطماع وحسابات صنعها النظام العسكري الجزائري عبر سنوات طويلة ولحسابات “شخصية” لا تنفع الشعب الجزائري ولا المغربي بشيء… ويوجد الأساس الرابع ويتعلق بالعقول وهو عن طريق منظومة تربوية فاسدة، وهذا ما نجده اليوم من خلال الإحتجاجات التي يقودها مرة الأساتذة وأخرى الطلاب وبعدها ربما الأولياء، فالمنظومة التربوية التي صنعها أناس تشبعوا بقيم وافدة عن مجتمعنا جعل ما يتعلمه الطفل في أسرته يناقض ما يتلقاه في مدرسته، لتطلع النتيجة إما فشله في تحقيق مستويات ناجحة بسبب تحيزه لما تعلمه في أسرته من قيم حضارية ودينية، وإما أنه ينسلخ تماما ويصير في ما بعد إطارا ينفذ أجندة أخرى مستوردة يسهر على رعايتها أذناب فرنسا وجرذان البيت الأبيض… أما الأساس الخامس والأخير الذي يمكن أن نعتبره من أسس نظام يعيش على المعاش، ويتعلق بأخلاق المجتمع حيث ينشر النظام بينه شتى أنواع الفساد الأخلاقي، فهو يشجع الدعارة والعهر والسكر العلني وينشر الرذيلة مرة بإسم الفن وأخرى بإسم حرية المرأة، ويكفي ما يسجل عن الواقع الأخلاقي للمجتمع الجزائري بما يجعلنا نتأسف كثيرا على ما آل إليه من تفسخ وإنهيار أخلاقي، الحديث فيه طويل جدا نتمنى أن نعود له بالتفصيل في محطة أخرى.
بعد ثورة المآزر ننتظر ثورة الفقراء
إن صمت الفقراء لن يدوم ولن تعبث به الأسس الفاسدة والمزورة والباطلة، ولن تطول تلك الحلول الآنية التي تحاول التطاول على ظروفهم تحت شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع، فالشعب الجزائري الذي يعيش في بلد حباها الله بالنفط ويدر عليها بالملايير، لا زال يعيش تحت درجة خطيرة من الفقر، وشعب بإمكانه أن يعيش كبقية الشعوب الغنية لا يزال كل يوم يزداد فيه عدد المتسولين والمساكين الذين لا يملكون قوت يومهم، وسيشعل لهيب ثورة الفقراء حتما أن يرى عائدات النفط تملأ جيوب طغمة مرتشية وفاسدة وعاهرة، فلو زار هذا الشعب المسكين عواصم الدول العظمى من لندن إلى باريس، واشنطن، مدريد، جنيف… الخ، ويرى حكام الجزائر وأبناؤهم وبناتهم مع عشاقهن وعشيقات الوزراء والشخصيات النافذة وهم يبذرون المال العام ويعبثون بثروات الأمة، ما صمتوا لحظة ولثاروا ثورة المستضعفين الذين لا يهابون الدبابات ولا الرصاص الحي، فإما الموت بشرف أو الحياة الكريمة في ظل خير بلد هو من حق الجميع بلا إستثناء، فأصحاب المحافظ الممزقة والمآزر البيضاء قد هبوا لنصرة حقهم في الدراسة والنجاح الذي حرموا منه من طرف حكومة ومسؤولين أغلب أبناؤهم يدرسون في لندن، ويتمتعون بمنح الدراسة في الخارج لا لشيء سوى أنهم سنوا قانونا يعطي للمسؤولين السامين حق إستفادة بناتهم وأبنائهم من الدراسة في كبرى جامعات العالم وعلى حساب الخزينة العمومية، أما أبناء الفقراء والمساكين الذين يتصفحون كتبهم على ضوء الشمع، فتجد ألبستهم الرثة قد زادتها بقع الأعراف بشاعة، فلا حق لهم حتى في الدراسة المحترمة بجامعاتهم ولو كانوا متفوقين… فأولياؤهم تجدهم يتدافعون على أبواب المدارس بداية العام علهم يظفرون بحسنة 2000 دج، وكم من فقير لا يتحصل عليها لا لشيء سوى أنها توزع بمحسوبية؟ وبنفسي أعرف فقيرا من شرق البلاد يقضي كل صباحه في بيع ما يعرف بالشيفون لأجل أن يوفر غداء صغاره، ويحدث معه في المساء الأمر نفسه لأجل جلب خبز يابس للعشاء، لم يتحصل على هذه المنحة وفي المدرسة نفسها إبن عضو في المجلس الشعبي البلدي ينالها حتى يشتري بها بطاقات تعبئة لهاتفه النقال… أبعد هذا ويأتي من يتحدث عن جزائر العزة والكرامة، أي عزة وأي كرامة أن يجوع صغار الفقراء وأبناء الوزراء والأثرياء الذين كل أموالهم أخذوها كقروض غير مضمونة التسديد من البنوك، يتلاعبون بالمال في صالونات القمار والعهر بباريس أو لندن… امن الكرامة أن يعيش الجزائري من القمامات، وآخرون يتسوقون يوميا بين عواصم العالم الكبرى وعلى حساب الدولة، وهو ما لم يحدث في عهد الإستعمار الفرنسي؟… أمن العزة أن الصحراء التي تنتشر بها شركات البترول لا يجد أبناؤها فرصا للعمل، وتجلب الأيدي العاملة من الشمال للعمل أياما والراحة أياما أخرى وتكون عودتهم لديارهم على حساب الخزينة، لا لسبب سوى انهم من اصحاب الأكتاف العريضة؟… أمن الكرامة أن بواب في شركة بترول يتقاضى راتبا هو ضعف راتب دكتور في الفيزياء يدرس بالجامعة قضى أغلب عمره بين بطون الكتب وظلام المخابر؟…
فثورة المآزر هي تشجيع لثورات أخرى يجب أن تحدث لإسقاط هؤلاء اللصوص والمفسدين الذين ينهبون ثروات الأمة، ويحرمون بلادهم بسبب الرشوة من فرص كبرى للإستثمار، التي من الممكن أن تعطي فرصا للعمل بدل البطالة التي تدفع الجيل الذي من المفروض يصنع همة ومستقبل البلد إلى الحرقة وتفجير أنفسهم في عمليات تودي أيضا بفقراء ساقهم الجوع للعمل في أسلاك الأمن… لقد توعد الصغار بالخروج للشوارع ووفوا وعودهم فأين أنتم أيها الجائعون الذين تمن السلطة عليكم بأن أعادت الأمن وقضت على الإرهاب بمصالحة تحفظ لهم ماء الوجه ؟
لقد ملئت الخزينة بالملايير ولكن الأسعار إرتفعت لأن السعر المرجعي في قانون المالية هو 19 دولار للبرميل، والحقيقة أنه بلغ ما يقارب 100 دولار، وهذا الذي جعلها لم تقدم لكم سوى تدهور حياتكم وإنتشار الفقر والأوبئة المزمنة، لأن بقية المال تركته الحكومة إلى اليوم الذي سوف تبذره من أجل عهدة ثالثة في مشاريع نهب للمنتخبين المحليين، أعرف أنها لن تعود بشيء على فقراء الجزائر، لسبب وحيد أن المسؤولين المنتخبين من طرف أقلية من المقاولين ورجال الأعمال سوف ينهبون تلك الميزانيات التي تستغل في مناسبات إنتخابية… السلطة تكذب على الجميع وعبر أبواقها من تلفزيون وصحف مأجورة تقبض على ترويج الكذب صفقات كبرى للإشهار، فالواقع يعكس تماما ما يريد عبدالعزيز بلخادم وبوقرة سلطاني واحمد اويحيى الترويج له، لأن نضالهم لأجل بقاء بوتفليقة في الحكم هو نضال من أجل أنفسهم، لأنه لو تم إختيار رئيسا حقيقيا منتخبا بعيدا عن مخابر سرية فلن يظل لا بوقرة سلطاني ولا عبدالعزيز بلخادم ولا أحمد أويحيى في السلطة أبدا وسيجدون أنفسهم حتما في زنازين العزلة بسجن الحراش أو سركاجي، هذا إن رأف بهم الرئيس الشرعي المنتخب… حقيقة أنه في غياب الكبار الذين أثقل كاهلهم وهد حالهم العمل الشاق المؤبد لأجل لقمة العيش في زمن الجوع والمهانة، جاء الصغار بمآزرهم ليلقنوا العالم درسا أن الجزائري لا يدوم صمته أبدا وفي أي لحظة قد ينتفض لأجل طرد عصابة تتاجر بماله ورزقه وتسرق أحلام طفولته، وصدق من شبه مظاهرات جانفي 2008 بأنها تشبه إنتفاضة أكتوبر 1988، ونحن نراها الفتيل لإنتفاضة حقيقية تعود بالخير على الأجيال القادمة، ولا تستغل من طرف إنتهازيين متطرفين مازادوا البلد إلا وبالا… فقد إنتفض أصحاب البذلات السوداء بباكستان وبالجزائر وغيرها يحتالون على مساكين ويقتاتون من دم أبرياء أدخلوا السجون ظلما ومؤامرة، وإنتفض أصحاب الأقمصة البرتقالية في ميانمار ورجال الدين في الجزائر وباقي الدول العربية يتفنون في فتاوى الحيض والنفاس وإرضاع الكبير وتبرير شذوذ السلاطين والملوك والرؤساء شرعيا وعقديا… فثورة المآزر البيضاء هي بلا شك دليل على أن ما يؤخذ عنوة لا يسترد إلا بإنتفاضة عارمة تدفع بالنظام إلى السقوط وكشف سوأته للعالم، وإن كانت في الأصل هي مجرد بداية… ودعهم حينها يزعمون أن الشعب صار إرهابيا.

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.